دينا محمد - أن تكون كاتبًا


بقلم: دينا محمد

أن تكون كاتبًا يعني أن تحدق فى وجوه المارة ، و رفقاء القطار ، أن تشرد في ملامح امرأة عجوز فى الحافلة ، تري فى تغضن وجهها حكايا لن يقرؤها إلاك فمن مسحة الجمال التي تشي بها قسماتها تبرهن أنها كانت فاتنة في عمرها الفائت كما أن مسحة الحزن تجعلك تعتقد ربما كان لها حبيب و تزوجت ذاك الرجل الذي أفنى جمالها غصبًا.

أن تكون كاتبًا يعني أنك قد تؤخر ميعادًا هامًا لشرودك في وجوه الناس و ضياع محطتك ، كما سيظن البعض أنك مجنونًا ، فتراهم يتهامسون فتصلك كلماتهم على الرغم من خفوتها لأنك تجيد فهم التعابير جيدًا. 

ستضيع في تفاصيل المنازل تستفزك النوافذ المغلقة ، تستهوي النظر إلى الشرفات تتوق لمعرفة الحكايا الرابضة خلف الجدران ، تستنطق الجدران فلا تجد سوي صدي الصمت ، فيغزل عقلك الحكاية الملائمة بخيوط الخيال. 

كما أن هناك مزية فريدة ستضاف لك هل سمعت قبلاً أن المكفوفين أذانهم قوية جدًا ، هذه المزية ستحظي بها حينما تكون كاتبًا  سيكون سمعك مرهفًا ، بل قد يصل الأمر للتصنت ، في بعض الأحيان و ما إن تلتقط أذنك طرف حكاية حتي تنصرف عن سماع كل ما عاداها ، تستمع إليها ، تحللها ، تبرز الشخوص في عقلك ، قد تسلبك الحكاية لبك فلا تستفيق الا و عامل التذاكر يطالبك بالأجرة ، و قد تنتزع متعتك منك فيغادر رواي الحكاية قبل أن ينهيها و تظل معلقة بلا تتمة ، و لكن خيالك يسخر همته و يكملها كيفما يريد. 

و لأنك كاتب لن تمر الأمور مرور الكرام معك ففي المناسبات الكبري مثلاً ستنشغل أنت بأدق التفاصيل و ربما تترك الأمور الكبري الذي ينشغلون بها ، فقد تتابع أنت ، انتشار حبات اللؤلؤ علي فستان الزفاف بينما هم يهتمون بكونه منسدل أو منفوش ، الموسيقي ليست ضوضاء أو أصوات منتظمة فحسب بلا هي إيقاع روحي يسرق الألباب ، ستري للوحات روح ستحلل إمتزاج الألوان إلي حكايات و من كل لوحة تولد كان يا مكان. 

الأشخاص بالنسبة لك ليسوا أشخاصاً  فحسب بل هم أبطال متوقعون لقصصك و رواياتك ، قد تستوحي العجوز الدميمة مثلاً من جارة جدتك التي كانت تأتي لزيارتكم و كنت تمقتها لأنها تتدخل في شئونك ، كما أن الفتاة الجميلة في روايتك قد تكون حبك الأول ابنة الجيران. 

أن تكون كاتبًا هو ما سيصيبك بصداع الرأس الدائم جراء زمير الجوقة داخل عقلك.

شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء