محروس خميس - مدام سماح والقاطن الجديد



مدام سماح  والقاطن الجديد!

محروس خميس



   كل صباح، ترمى مدام سماح - والتى تسكن مقابل شقة إبراهيم القاطن الجديد بالحى- سلتها الإسطوانية الشكل المصنوعة من البوص المفصص، والمتداخل بشكلٍ هندسى رائع، بكل ما أتيت من قوة، لتستقر السلة في النهاية على الأرض، ويضع جابر – عامل السوبر ماركت – لها اللبن الطازج، مع بعض الأشياء الأخرى التى تدونها في الورقة المرافقة للسلة، مع بعض المال .. فى دقة متناهية وغريبة جدًا دون أن تنظر إلى الأسفل، تقذف السلة، من شرفتها المستطيلة الشكل، والتي تحدها من أعلى شرفات كالعرائس المتشابكة الأيدى .. السلة مربوطة بحبل لونه أزرق، مفتول كعضلات رافعى الأثقال .
فقد أعتاد إبراهيم أن يشاهد هذا المشهد خلسة كل صباح من ثقب نافذة شقته المقابلة لشقة مدام سماح؛ ربما لأنه لا يزال قاطنًا جديدًا لم يعرفه إلا القليل من سكان الحى؛ لذا فهو يتوخى الحذر دومًا كى لا يتسبب فى أى احراج، أو ما شابه ذلك؛ فهو كالنبتة الغريبة التى تزرع فى غير بيئتها.
مدام سماح الثلاثينية العمر، العشرينية الجمال والتأنق، ذات الشعر الفضى اللامع، والعينين اللوزيتين المتفتحتين كوردة لا تتعدى بضع سويعات، لقد امتلأ قلب إبراهيم عشقا تجاهها، منذ أول مرة قد تلصص عليها من ثقب نافذة شقته .
 استمر هذا المشهد المتكرر كل صباح لبضعة شهور، وعشقه لها يزداد يومًا بعد يوم، وهو لا يعلم أكانت لا تزال متزوجة أم لا ؟! فهو لا يجرأ مطلقًا أن يسأل احدا عليها، لا يقدر أن ينطق ببنت شفة، ولا يقدر أيضًا أن يقف بشرفته؛ ليبعث لها نظراته الثاقبة، نظراته العاشقة . ضاق ذرعا بهذا الوضع المرير؛ فقرر أخيرًا أن يتخذ موقفًا تجاه هذا، فحدثته نفسه مرة ذات يوم قائلة: كيف لي أن أعشق أو أحب امرأة لا أعلم أنها لا تزال متزوجة أم لا ؟ أجننت أيها الأحمق ؟ صمت إبراهيم طويلاً .. ثم تنهدت مشاعره، قبل أن تلقي مصرعها .. لينتهي الأمر بالبكاء المبرح، ثم توارى أسفل صمته مرة أخرى مغشيًا على نفسه. أصابه الإعياء الشديد ذات يوم .. فكان يعتقد من كثرة تعلقه بها أنها سوف تسأل عليه؛ لتطمئن علي حالته، أو أنها سوف تتساءل أين هذا الذى يتلصص عليها كل صباح ؟ ربما قد أصابه الحمق الشديد،  فالحب ما هو إلا حماقة كبرى .
بعد أن أفاق هو من اعيائه قليلاً، وبمرور عدة أيام .. كان يفرك أعينه بشغف، حينئذ كانت أشعة الشمس التائهة تهتك عرض نافذته، رويدا رويدا، وقبل أى يصحو من غفلته، فتش عن ساعته البلاستيكية بجوار وسادته الخاوية؛ ليعرف كم هى الساعة ؟ وكم قد تبقى من الوقت على موعد إنزال السلة !


الإبتساماتإخفاء