محمد مهاود - رسالة بالألوان



رسالة بالألوان

محمد مهاود

      وصلتني رسالة من صديق عزيز ... كنت قد بعثت له برسالة منذ زمن أعاتبه فيها على تأخره في الكتابة إلى للاطمئنان على حاله وصحته وأهله ... الذين طالما أحببتهم مثل أهلي .

فتحت الرسالة بشغف ... أفرغت ما بها من كلمات بنهم ... ولكن 

ولكن الرسالة لم تكن بها كلمات ...
ولكن كان بها نوع أخر من التعبير ...
من المشاعر ...
لقد كانت بها ألوان .
نص الرسالة
المرسل أليه : محمد 
العنوان : القاهرة

صديقي العزيز محمد تحياتي إليك ... كيف حالك لا تشغل بالك بحالي فهذه أخر رسالاتي إليك ... نعم أخرها على الإطلاق ... ولا تتعجب آخى ولتسامحني على هجري لك .
لقد جاء اليوم الذي أسير فيه وحيدا ً بين الطرقات ... 
ضائعا ...
تائها ً ...
شريدا ً ...
ممزق الملابس ...
ممزق الخطى ...
معفر الأفكار ... أحاول أن امسح بيدي المرتعشة غبار الدهر من أمام عيني ... أحاول يائسا ً أن أحافظ على ثبات الصورة ووضوح الألوان أمام عيني فقد انهمرت دموعي تشق طريقها عبر وجهي ... الذي أصبح به مجرى انشق لسير الدموع الواحدة تلو الأخرى ... لتنزلق حبات الدمع ... حبات سوداء ... لتوأد على الطريق ... على بعد خطوات من أخواتها المؤدات ... مرتمياً خيال ظلي على الطريق خلفي ... هزيلا ً 
اسودا ً ...
مرتعشا ً ...
يعكس حقيقة جسدي الذي نحل وأصبح كالورقة في وسط رياح عاتية ...
انه يهتز ...
يهتز اهتزاز أوراق الشجر الذابلة عند سقوطها ... فتهوى لتدفن بين طيات الأرض بملمسها الخشن .
بين طيات النسيان ...
لتضيع ...
لتموت ...
نعم يا صديقي العزيز أنا اكتب إليك أخر رسالاتي وقد ابتلت وريقاتها بدموعي ... ولعلك مندهشاً أنني أبكى وأنت تعلم عنى أنني لم أبكى من قبل قط ...
نعم أنا أبكى ...
أنا انهار ...
أموت مختنقا ً ببطء ...
أخطو على الطريق واسمع صرخات خلايا جسدي الذي أصبح ضعيفا ً ...
خاويا ...
حزينا ً ...
فقد انفطر القلب ...
وانهمر الدمع ...
وانتحل الجسد ...
لعلك تسألني يا صديقي ما سبب كل هذا ... سبب تحولي عن الحياة ... تحولي عن الألوان إلى السواد في رسالتي هذه ... سأجاوبك وقد تكون استشعرت السبب 
نعم لقد هجرتني ...
خانتني ...
بعدما وعدتني أن نكون سويا ً لا نفترق .
لقد جفت مياه حياتي بلونها الأزرق البراق ..
وانطفأت شمسي بلونها الدافئ ... بأشعتها التي تعطى الأمان والطمأنينة ...
لقد فارقتني حبيبتي ...
تركتني وحيدا ً
بلا هوادة ... بلا رحمة ... بلا سابق إنذار 
بعدما رسمت لي حياتي منذ الصغر بالألوان ...
والآن ... أصبحت بلا ألوان ... لون واحد يسيطر عليها 
لون واحد ...
قاتم ...
كئيب ...
لون الشحوب ...
اللون الأسود ...
لقد تركتني دون أن يمسها حزن ... تركتني وتركت كل الأحزان لي ... كل الهم لي 
... كل الهم لي 
أخذت كل الألوان وتركت لي الأسود ... الأسود فقط 
وأنني اعلم يا صديقي انك تتسائل عن ضعف صديقك والهوان الذي وصل إليه ...ولكنه حالنا جميعاً 
ولكنني تأكدت أنني اضعف مما تصورت ...
فانا لا استطيع أن أعيش دون ألوانها ...
دون لون ابتسامتها ... والتي يظهر معها قمر دنياي مع اللون الأبيض في قلبها ... ونضرته 
لا استطيع أن أعيش بدون لون حبها الدافئ الحنون فلماذا قتلتني ... لماذا باعتني 
لماذا باعت ألوانها ...
لقد هجرتني وتركت لي الذكريات يا صديقي ... فلا ابرح في أي مكان أتذكرها ... ولا انفك في أي وقت إلا واراها في عيني ...
أرانا نلهو سوياً تحت الشجيرات الصغيرة في مدرستنا الأولى ... بثيابها الرشيقة ... وقد كانت تلك الأيام النبتة الخضراء في ارض حبنا ... شببنا سويا ً
سيرنا سويا ً ...
لعبنا سويا ً ...
ضحكنا سوياً ...
سويا ً ... سويا ً
أضم يدي كل حين ... معتقدا ً أن كفيها الرقيقين وأناملها الحنونة بين راحتي ...
أتذكر لوحتها الكبيرة التي تزين غرفتها ... رسمتني فيها وهى بين أحضاني وتغمرنا الألوان من كل جانب ... ألوان مبهجة ...
ألوان العيد ...
تسعد كل قلب حزين مهما كان به من حزن ولكنها لا تزيد قلبي إلا حزناً ... استنشق رائحتها في كل شهيق يحتضنه صدري ... أتذكرها 
أتذكرها وهى ترتدي فستان الفرح ... بلونه الأبيض الجميل ...
طويل ...
فضفاض ...
وعلى رأسها تاج به قلب من ماس ... أنيق لامع ... يخطف الأبصار ... وكأنه البرق
وقد كانت تسير بجانبي ... تتشبث بمعصمي بكلتا يديها ... سعيدة مسرورة ... تسير بجانبي وكأنها ملكة الأرض ... وكلنا شعبها ...
أسرى جمالها ...
وسحرها ...
كلنا خدمها ...
وهنا وصلت إلى نهاية طريقي ... نعم هنا عندها... توقفت قدمي عن العمل ... وقدمت استقالة إلى الأبد 
ووجدت نفسي اسقط وأهوى أمامها ... أو لتقل أمام جسدها ...
أمام قبرها ...
أتلفحه بيدي الواهنتين ...
أملا أن أضمها بيدي يوما ً ...
في جنة الخلد ...
في جنة الله التي ليس بعدها موت ...
وها أنا أتذكرها مرة أخرى ...
وهى تلفظ أنفاسها الأخيرة ... بين يدي 
بين صدري ...
مستلقية على الأرض واحتشد الناس من حولنا ...
وصرخات العالم في أذني ... وهى تحاول بين تلك الصرخات المدوية أن تقول لي شيئاً ... بكل ما بقى بها من حياه ...
وقد تحول لون فستانها الأبيض الجميل إلى اللون اللون الأحمر ...
لون الغدر الهمجي ...
لون الخيانة ...
لون رصاصة غادرة ...
اخترقت حياتي لتغيير ألوانها من الألوان إلى الأحمر ... ثم الأسود
ترقد بين ذراعي ودمعي ينزف على جرحها فيمتزج ويختلط بلون جرحها الأحمر ... بدمها 
لمرة واحدة ...
ولأخر مرة ...
ولقد استطاعت هي عند هذه النقطة أن تقول كلمتها الأخيرة ... كلمة هزتني بعنف ...
وأسالتنى مع جرحها ... قالت لي ...
أحبك وانتظرك ...
وها أنا الآن اسقط عند قبرها وأقول لها أيضا ...
احبك مهما طال الزمن ...
سأظل بجانبك ...
سأظل اشتم رائحتك ...
سأظل لا أرى إلا عيناك ...
ستظل بصماتك على جسدي ...
ستظل ألوانك في لوحاتي ...
نعم سأبقى بجانبك إلى أن أرافقك كما كنا دائما ً ... سويا ً 
ووقتها ستعود إلى الألوان من جديد ...
ستعود لي الألوان من جديد...
ستعود لي الألوان .

الراسل : عدنان راشد
العنوان : مقابر الشهداء
غزة ـ فلسطين

شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء