عمر فؤاد - خوفو في نيويورك





عمر فؤاد

كان الجنرال فى جلسته على مقعدة المفضل ساقا فوق ساق لا يتوقف عن أرجحة قدمه كعادته, ساورني القلق من إبتسامته الساخرة التي لاحت على جانب شفته عندما سمع وقع قدماي متسحبا عائدا من هزيمة الزمالك فى البطولة العربية, زادني هلعا أنه كان يشاهد (شلبوكة) وضيوفه الكرام, علمت أنه لا مفر من المواجهة فقررت تشتيت ذهنه بحركة خداعية سريعة وقمت بتشغيل المروحة التي يمقتها, زم شفتيه في غيظ ونظر لي نظرة الثعالب التي يجيدها قائلا: طيب اطفى المروحة ومش هاتكلم عن الماتش 
نجحت المراوغة فقررت الإستمرار قائلا: ماتش إيه وكورة إيه بس يا بابا، كلمنى كدة عن الجزيرتين اللى راحوا مننا
نظر لي بإمتعاض قائلا: وإيه إللى فكرك دلوقتى؟
قلت فى مرارة مصطنعة: يعنى سواء كانوا بتوعنا ولا بتوع السعودية، خايف يكونوا راحوا ببلاش ولا نكون إتخلينا عنهم بسعر مش ولا بد
تنهد مفكرا فى جدية قائلا فى بساطة: طيب مدام نية البيع موجودة عندنا حاجات كتير نبيعها غير الأرض وهاتجيب فلوس برده حلوة
قللت محاولا إكتشاف الفخ الذي ينصبه لي الجنرال الداهية: الأثار؟
قال سعيدا بنباهتي: مثلا
تنهدت وأنا أخلع التيشيرت مستمتعا بهواء المروحة: والله أنا معنديش أي مانع ياخدوا الهرم، حتي هما بيحافظوا علي أثارنا احسن مننا 
قبل أن يتحدث قلت مقاطعا: وماتكلمنيش عن الوطنية والأثار التى لا تقدر بثمن والكلام اللى مش بياكل عيش ده، وعارف إنها فكرة غبية 
هز الجنرال كتفيه في تهوين قائلا: بالعكس دي فكرة ذكية ولأنها ذكية فإنت مش أول واحد يفكر فيها 
نجح الثعلب وأكلني الفضول قائلا: بمعني إيه؟
سطعت الإبتسامة الثعلبية وهو يتمم الصفقة قائلا: إطفى المروحة وأنا أقولك 
صاغرا حانقا على فضولى وسذاجتي فى مواجهته وبيدي توقفت المروحة عن الترويح عني وبدأ الجنرال يحكي عن مهندس أمريكي إسمه (كيفين كوك) عشق الهرم الاكبر منذ صباه ووضع زيارته فى مقدمة قائمة الأعمال التى يتمني أن يقوم بها خلال حياته ولحسن حظه نجح في زيارة الهرم الأكبر ووقف أمامه في تضاؤول يطالع عظمته ولكنه كأي امريكي رضع من أثداء الرأسمالية الأمريكية روادته فكرة فى تساؤول يقول: بكم يقدر هذا الهرم العظيم 
وبدأ فى عام 2011 أو ربما قبل ذلك العام بقليل فى دراسة الفكرة لإجابة تساؤله العجيب فكان من الطبيعى أن يقابل أول من قابل الدكتور (زاهي حواس) الذي أجابه فى صرامة أنه يرفض تقييم هذا الهرم الذي لا يمكن تقديره بالمال وأعلن فى ذات الصرامة أن المصريين جميعا سوف يرفضون الصفقة، ثم أردف الجنرال مبستما: طبعا هو غلطان أنه ما أخدش رأيك الأول 
بعد تقريعي السريع تابع (الجنرال) قصته بأن المهندس الأمريكي قام بأخذ حجر جيرى من ذات المنجم الذي بني منه الفراعنة الهرم الأكبر وتوجه بحجره إلى (خان الخليلي) محاولا بيعه بإعتباره قطعة أصلية من أحجار الهرم وكان أعلي سعر عُرض عليه هناك هو مائة وخمسون دولار أمريكي، لم يرضى الأمريكي بهذا السعر وتوجه مباشرة إلى نييورك حيث (جون امبورز) تاجر التحف المصرية والذي يملك مجموعة من التحف الغالية الثمن، وجد (كيفين) من ضمن مجموعته حبلا قديما طوله 14 سم كان قطعة من حبل مصنوع من البردي وجدوه في ذات المنجم المستخرج منه الحجر الجيري، الحبل الذي يعود لعصربناة الأهرامات يوم وجدوه كان بطول 51 مترا فقاموا بتقطيعه واحتفظوا بالقطع كتذكارات مجانية، أحد الحاصلين على هذا التذكار قام ببيعه إلي (جون) بقيمة 5,000 دولار أمريكي وعلى نفس التقييم قام التاجر المحترف بتقييم الحجر الجيرى بإفتراض أنه قطعة أصلية وبإفتراض أنها تم إستيرادها من مصر بطريقة قانونية فكانت قيمته 5 الف دولار؛ ولكن إذا كانت الصفقة تحتوي على مائة حجر من ذات الحجر الأصلى فستنخفض القيمة إلى ألف دولار وتظل القيمة تنخفض مع زيادة المعروض حتى أصبحت قيمة الحجر الأصلي لا تزيد عن قيمة أي حجر جيري عادي وذلك في حالة إذا كان المعروض يساوي أو يزيد عن مليون حجر مماثل، على هذ الطريقة فلم يجد (كيفين) إلا أن يتم تثمين الهرم بقيمته كخردة فتوجه في نييورك أيضا إلى منجم الأحجار الأمريكي (كلينتون بوينت) وعرض الأمر على مدير الموقع هناك (ستيفن بروكس) الذي أكد أنه يحتاج إلى تفجير الهرم لعرض أحجاره للبيع وليقوم بذلك فسيحتاج ليقوم ب114 عملية تفجير ملخص كل عملية هو ثقب الهرم 30 ثقبا فى كل مرة بعمق 15 مترا لكل ثقب ثم صب خليطا نترات الامونيوم وزيت الوقود كمادة تفجير عالية الاستقرار يتم صب ثلاثة طبقات من هذا الخليط داخل الثقوب ثم البدء فى عملية تفجير الثقوب الثلاثين ليفصل بين كل تفجير والأخر ألف جزء من الثانية كفاصل زمني يمكن معه السيطرة على الإنفجار وعدم إندفاع الصخور إلي السماء، بعد هذه التفجيرات يصبح لدي (كوك) الملايين من القطع الصخرية الضخمة التي سيقوم (ستيفن بروكس) بسحقها مرة أخرى ليقوم ببيعها كحصى للطرقات أو كمواد أولية للبناء وسيكون عائد بيع الهرم الأكبر بعد سحقه 115 مليون دولار أمريكي. 
توقف الجنرال عن الحكي وأخذ يطالع لعابي السائل على ملايين الدولارات، ربما يكون قد تقزز ولكنه غالب تقززه وهو يرشف رشفة من كوب الشاي الذي يتناوله صيفا بديلا عن مشروبه الشتوى الجنزبيل الساخن اللعين، ثم أكمل قصته بحسرة كشفت لي تواضع طموحاتي التجارية لأن المدعو (كيفين) لم يقتنع بتلك الملايين التي سال لها لعابي وقرر أن يبحث عن طريقة تقييم أكثر ربحية لهرمنا الأكبر ففكر في بناء هرم جديد بدلا من بيع الهرم كخردة فكان عليه أن يقوم بحساب تكلفة بناء الهرم الجديد بذات الطريقة التي قام بها الفراعنة، وللقيام بذلك فكان عليه أن يقوم بإحتساب تكلفة المواد الأولية بإستخدام 5,45 مليون طن من الحجر الجيري و7,2 ألف طن من الجرانيت الذي سيتم نقله من أسوان لمسافة حوالي ألف كم, كما كان عليه أن يقوم بإحتساب قيمة العمالة التي تقدر ب100 ألف من العبيد، ولكن هنا إستوقفه الدكتور (زاهي حواس) مرة أخري مؤكدا أن من قام ببناء الهرم ليسوا 100 ألف من العبيد بل 10 ألاف من العمال المهرة الذين كانوا يحظوا برعاية غذائية دقيقة تمنحهم القوة حيث كان يتم يوميا ذبح 11 بقرة و33 عنزة لإطعامهم غير أنهم كانوا يحظون أيضا برعاية صحية عالية العناية حيث كشفت البحوث عن أحد هؤلاء العمال الذي مرض بالسرطان فقاموا بإجراء عملية جراحية فى الدماغ لإستئصال الورم ولقد نجت الجراحة وعاش الرجل لعامين بعدها, هذا غير رجل أخر أجروا لهم عملية جراحية أخري في ساقه وعاش لمدة 14 عاما أخري بعد الجراحة تلك.
قدم (كيفين) تلك المعلومات ل(روبرت بارنرز) رئيس مجلس إدارة أكبر شركة مقاولات في الولايات المتحدة الأمريكية والذي قام بإحتساب تكلفة المواد الخام لتقدر ب2,2 مليار دولار متضمنة قيمة النقل من أسوان وداخل منطقة الجيزة كما قام بإحتساب قيمة الأيدي العاملة بعد أن قسمهم إلى 98 فريقا ليقوم كل فريق بمهام خاصة به  لبناء الهرم بإرتفاعه ل146 مترا ولمدة 23 عاما هي الفترة التي قضاها الفراعنة في بناءه فكانت التكلفة 7,7 مليار دولار أمريكي.
شهقت في قوة ثم عارضته قائلا أن الامر لن يكلف مثل كل هذا العناء ولا الأموال بعد 4500 عاما من التكنولجيا المتقدمة في عصرنا، فصفق لي الجنرال مؤكدا أن هذا هو ما فكر فيه (كيفين) أيضا وهذا ما جعله يتوجه إلي كالفورنيا  ليقابل المهندس (دون جيفس) المفتون بهندسة بناء الهرم الأكبر وهو ما أوحي له بأن يقوم  منذ 16 عاما ببناء هرم (والتر) هناك  ليكون مقرا لفريق كرة السلة الخاص بالجامعة، ذلك الهرم المعدني المصنوع من الفولاذ المطلي بمادة الفلورايد الحامية له من عوامل التعرية والذي يبلغ حجمه طولا وعرضا نصف حجم الهرم الأكبر قد تم بناءه في 18 شهرا فقط وبتكلفة  25 مليون دولار فقط أيضا، ثم أكد (دون)  أنه ليبني هرما بنفس مواصفات الهرم الاكبر ولكن بالتقنية المعاصرة فسيتكلف الأمر 116 مليون دولار وهو مبلغ أفضل بكثير من ال7.7 مليار دولار التي ستكلفها طريقة الفراعنة بالطبع.
هتفت هنا بحماس للتكنولجيا الأمريكية المعاصرة منتصرا على الجنرال العجوز الذي نظر لي في سخرية موضحا أن (كيفين) لم يكن سطحيا تافها مثلي وأنه لم يستوعب أن الأمريكيين بناة أهرام أعظم من الفراعنة لذا توجه إلى الدكتور (جولد شايني) المتخصص فى فحص جهد المقاومة للطائرات وطلب منه دراسة هل سيتحمل هرم التقنية الحديثة نفس عوامل التعرية التي تعرض لها هرم مصر الأكبر فى صحراء الجيزة وإلي أية فترة سيصمد هرمهم المعاصر، فقام دكتور (شايني) ببناء هرما مصغر معاصر وعَرَضَه بواسطة جهاز القذف الرملي لقوة تماثل العاصفة التي يتعرض لها الهرم الأكبر مرة واحدة فى كل عام فتأكلت المادة الحامية تاركة الفولاذ في مواجهة عوامل التعرية، لم يتوقف الأمر عند هذا الحد فلقد أدخلوا الهرم المعاصر في جهاز يقوم بدور عوامل التعرية التي صمد أمامها هرمنا القديم، تاركين الهرم الجديد متعرضا لجهد يوما واحد فى الصحراء لالأف المرات  ليقوم بإحتساب الفترة التي سيصمد فيها الهرم الفولاذي فكانت النتيجة أن ذلك الهرم لن يصمد لأكثر من 15 عاما فقط فى مواجهة صحراء الجيزة حيث يشمخ الهرم الأكبر منذ 40 قرنا صامدا.
وبناء على تلك المعلومات فلم يحاول (كيفين) أن ينافس بناة الأهرام فاهتدي إلى فكرة أن يشتري الهرم الأكبر فتوجه إلى (وول ستريت) ليقابل (فينس فارو) ليحدد له قيمة الهرم الأكبر بسعره العادل كمشروع تجاري مربح، فطلب منه المحلل المالي صاحب خبرة ال40 عاما فى تقييم الممتلكات أن يمده بمعلومات كإيرادات تذاكر الزائرين وبيع التحف والإيرادات الناتجة عن ركوب الجمال والخيل حول الهرم كما طلب أجور العاملين وتكلفة الأمن والصيانة والنظافة، فعاد (كيفين) ليحصل على تلك المعلومات التي كانت تحدد 32 مليون دولار امريكي مقابل تذاكر زيارات السائحين و49 مليون دولار مقابل التحقف التي تُباع على سمعته وأكتمل المبلغ ليصل إلى 100 مليون دولار بعد إضافة باقي الإيرادات التي يدرها الهرم العظيم، أما  إجمالي التكاليف فكانت تقدر ب6 مليون دولار أمريكي فقط مما يعني أن عائدات الهرم الأكبر سنويا لمصر هي 94 مليون دولار أمريكي، قام المحلل المالي بدراسة المعطيات وتحليلها ليعطي سعرا نهائيا لمشروع تجاري يستمر لفترة 4500 عام مثل الهرم فكان السعر مقارنة بسندات الحكومة الأمريكية هو 2.5 مليار دولار، إلا أن (فينيس) المحنك نصح بنقل الهرم بعد شراءه إلى مكان أفضل من الجيزة ليدر مالا أوفر، فكانت فكرة النقل التي درسها المهندس (فال سترايت) الذي قام بنقل جسر لندن الحجري في عام 1968 عند أصبح الجسر معرضا للإنهيار فاشتراه مليونير النفط الأمريكي (روبرت ميكلوك) لينقله له (فال) قطعة بقطعة بعد ترقيم كل قطعة بتكلفة 2 مليون ونصف دولار، ولكن (فال) أوضح أن نقل الهرم الأكبر حاليا من مصر إلى الولايات المتحدة سيتكلف 5 مليار دولار لإختلاف الوزن والمسافة وبإحتساب معدل التضخم منذ عام 1968 وحتي عام 2011، ولكن (كيفين) كان لديه مشكلة أين سيضع هرم خوفو فى الولايات المتحدة فإهتدي بالطبع إلى إستشارة (تشارلز ميكيني) أحد أرقي منسقي المدينة والتي لا يمكن أن يقوم أحد بالبناء في (نيويورك) دون أن يمر بمكتبه، قام المنسق المحترف بإختيار موقع مميز للهرم في منتزه (سنترال بارك) في مدينة (نيويورك) وفي الموقع الجديد بعد شراء هرم نيويورك –خوفو سابقا- بسعر 2,5 مليار وشحنه قطعة قطعة بتكلفة 5 مليار دولار ليحقق في مكانه الجديد عائدا سنويا 7,5 مليار دولار.
فغرت فاهي فى بلاهة وسألت عن نسبتنا كمصريين من تلك الإيرادات السنوية، ضحك الجنرال مستخفا بي قائلا: للأسف الباشمنهدس كيفين ما تخيلش إن في حد هايوافق على بيع الهرم.
قلت محبطا: هو صدق زاهي حواس ولا إيه!
قام الجنرال (فؤادووف) مشمئزا ليعد كوبا جديدا من الشاي وهو ينظر لي شذرا قائلا: قوم شغل المروحة بلا خيبة

شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء