عُمر أحمد سُليمان - امتساخ الهوية قراءة لرواية "موجيتوس" لمُنير عُتيبة




امتساخ الهوية

قراءة لرواية "موجيتوس" لمُنير عُتيبة

عُمر أحمد سُليمان



* موجيتوس، رواية تاريخية، تُحاكي التاريخ، وتتبع حضارة الأندلس بالتوازي، منذ ازدهارها وحتى اضمحلالها وسقوطها، إسقاطاً على حصن فراكينستوم الذي بناه عشرون مُجاهداً، انطلقوا من أفريقيا راكبين البحر، لغزو صقلية، فتقودهم العواصف إلى شاطئ آخر في جنوب أوروبا، ليبنوا هناك حصنهم، ويغزون به أوروبا، وكان لكل بطل قصته وأسباب انطلاقه في رحلة البطولة والعُلو والإقدام، ولكل بطل سِيرته الشخصية وبلاءه الحياتي في الغزو والفتوح، حتى اضمحلال جهودهم وعِزتهم، أمام تفرقهم، وتكالب أوروبا الصليبية عليهم..



* اتبع الكاتب تقنية روائية مُعقدة، وهي تعدد الرواة بالأساس.. يليها في القوة الراوي الداخلي، وهو (مجاهد/موجيتوس) الذي يُعلق على كل شخصياته؛ باعتبار شهادته كآخر مَن بقى، واحتكاكه كطرف مُحايد بين الجميع.. ثم تأتِ في قوة التقنية، تقنية الراوي العليم، وتكاد تُعد ببضع مواضع عابرة.. مع حبكات قوية مُدهشة، حكايات مُنفردة وذاتية، تُكون رواية طويلة وتاريخ حضارة، اشتركوا فيها جميعاً، لنرى كيف اختلفت الأسباب، واتحدت الغايات الكُبرى، وتنوعت الغايات الصُغرى، ثم تفرقت بهم وانفرطت النهايات.. وهو تكنيك اتبعه كثير من الروائيين مثل إبراهيم عبد المجيد في المسافات، ونجيب محفوظ في يوم مقتل الزعيم وأفراح القبة..



* ترتيب مراحل الرواية في التكنيك.. هو كالتالي.. راوٍ عليم، يُقدم راوي داخلي من النهاية بعد مائة عام من بداية الأحداث.. ثم يتسلم الراوي الداخلي السرد.. ثم أصوات متفرقة منتثرة ومتمازجة للعشرون بحاراً، بعد بناء السفينة، يُبدون الدوافع والنشأة.. ثم انطلاق السفينة، والعاصفة، والأصوات فيها كذلك مختلطة سريعة.. ثم رسو على الشاطئ الخاطئ، واستمرار اختلاط الأصوات المتمازجة.. ثم حديث كل رجل من العشرون ونساءهم سواء بإفراد فصل واحد باسم كل شخصية، أو في الغالب بتناوب صوتين بالحديث في فصل واحد، يتخلل كل منهم صوت الراوي الداخلي.. كلٌ يسرد، بدور وفاته، البداية الجديدة في رحاب الغزو والجهاد حتى نهايتهم الشخصية بسقوط حصونهم أو بعيداً عنها..



* لمس الكاتب، بعشرين شخصية مُتنوعة، كل ما يتماهى بين عصر الأندلس من انتصارات وانهزامات، وبين واقعنا المُزري، والذي قد تمر به مسيرة أي حضارة من منشأها وحتى زوالها، على مستوى البُعد التاريخي العام (فترة حُكم عبدالرحمن الناصر)، والبُعد الإنساني الخاص (وهو ما ركز عليه، بكل ما يواجهه المواطن/الإنسان من صراعات في الحب، والسياسة، والعلم، والحضارة، والجهاد، والجنس، والنفس، والزواج، والعُمر، والخِلفة، والانجازات، وتحقيق الذات، والعلاقة مع الآخر، والآخر علاقته بالآخرين..)



* راقتني شخصيات:

. عبدالله البلوطي وروكسانا.. حلمه الجميل إزاء ابنة الفقيه، وحفظه لعشرة ألف حديث من أجل الزواج منها، ومواجهة نفسه، وتنقية نيته، ومرونته مع الحقائق، وسعيه لبناء عالم جديد من الحرية والعدالة والتعايش وحُسن المعاملة.. وحب روكسانا وولائها له واحترامها، الذي امتد إلى كل رعاياها وذويها..

. صفي وعلي.. وتبدل الأصوات بينهما، وكأنهما روحٌ واحدة لجسدين، مع عاطفتهم الجياشة، وتأثرهما بأمهما القرآنية..

. هشام بن عبد المعين، (برغم قِصر قصته).. الطبيب الأمين العالِم، المُتبتل للعلم، المُتفاني في رسالته الطبية والإنسانية..

. الطماشكة الزناتي.. حنكته السياسية، وإدارته للحِصن، وللغزوات التي أخرجها، وقدرته على امتصاص الأزمات..

. أمير البحار يوسف.. أمانته وحِفظه للسر، وقُدرته على التفاني إزاء حلمه وحلم الطماشكة، وتفاهمهما بحيث قام بدوره، ولم يُنافسه على سلطة، أبوته، واحتواءه لمُجاهد، وتعففه عن الفتاة التي راقته، مُضحياً بذلك لسعادة ابنه الروحي، ليكون البديل والعوض لمجاهد عن أب الدم الأناني الذي اغتصب محبوبته قديماً، ولم يُعر ابنه ولا محبوبته تقديراً لمشاعرهما سويا.

. خلف الصقلبي.. قصة منشأه واختطافه، وقصة أبيه، وشخصيته الصموتة، قصته الغنية بالأحداث والمشاهد، غُربته بين العرب رغم إسلامه، رحيله عن الحصن زهداً ومُفارقة للفتنة المُرتقبة، وبحثاً عن أرض وجذور، تحريره للعبيد الذين يُتاجر فيهم النخاسين اليهود والصليبيين، حتى بدا لي كقرصان أخلاقي يقرصن على تجار النخاسة ليُحرر العبيد منهم، يشبه روبن هود في سرقته من الأغنياء للفقراء، قصته مع روجينا التي وهبته نفسها بعدما حررها، وتفانيها في حُلمه النبيل ورسالته السامية التي دفع فيها حياته وحِصنه..

فقد ظهرت في تلك الشخصيات، أسمى آيات إبداع الكاتب، من ناحية الحبكة الروائية، وتوأمة الأصوات، وجمال الشخصيات ووصفها، وتعاملها مع الأحداث، وغِنى حياتهم، وبُعدها عن التقليدية..



* في بعض شخصيات الساردون لحياتهم ومصائرهم ثغرات في التقنية، فكيف يمكن أن يحكي شخص عن نهاية حياته وحيداً، وهو غارق على الأمواج بين الجثث، مثل، أمير البحار يوسف.. وتكررت تلك الثغرة مع عدة شخصيات أخرى.



* اللغة سلسة، وممتعة، ومُعبرة عن أسلوب كل شخصية، ونمطها الخاص، وبُعد ثقافتها وعِلمها.. صحيح أن بها بعض الألفاظ العربية الخاصة غير المفهومة لكل القُراء، إلا أنها تمنح إحساساً حقيقياً إزاء لغة ذاك العصر في تلك المناحي الأندلسية..



* تميز الكاتب بميزة، أظن أنها ساطعة ولافتة لأي قارئ، وهي استخدام الكلمات للتعبير عن محسوسات الجوارح ووصفها، مثل الرؤية، الشم والروائح (خاصة مع عبد الرحمن بن سالم)، والتذوق، والسماع (الموسيقي عيسى بن أحمد)، والملمس، وإحساس الحب، وإحساس الشهوة..

فتجد أثناء القراءة أن الرواية تبدو كفيلم سينمائي ذي ثلاث أبعاد.. بل أبعد من ذلك، أنك تعيش بين الأبطال على أرضهم، وجانبهم، وداخل حجراتهم، تُعاشرهم، تُقابلهم، وتتطلع على أدق أحاسيسهم وانطباعاتهم...



* وجود كثير من الشخصيات والأبطال صنع تشويشاً لدى القارئ، ولم يعلق بذهنه إلا بعض تفاصيل أحداث لا يستطيع الإلمام بكل أسماء أصحابها.. لذلك فهي رواية (الأكثر من قراءة)، لا بد من إعادة قراءتها مرات عديدة؛ للإلمام بتفاصيلها، وسبر ما وراء رموزها وحبكتها، وكل قراءة ستكون ممتعة بقدر جمال اللغة، وتشويق الأحداث، وحبكة السرد، وإبداع السِير..



* النهاية جاءت مُتناسقة تماماً، مع أصغر المجاهدين البحارة، وآخر حضارة الأندلس، ونهاية حصن فراكينسستوم الذي بناه العشرون في أوروبا، وعلى تلك الشخصية سَرت النهاية، التي بدل معها اسمه ودينه، وسقطت الحضارة، وكأنما يوجه الكاتب القارئ إلى حقيقة بقت للاستيعاب، أن واقعنا اليوم هو (موجيتوس)، هزيمة وتبدد مُلك، وتشوه دين، وأن القوة انتقلت من المسلمين إلى المسيحيين، وسقط الحُكم الإسلامي، ليسود الحُكم الصليبي، وتحرف معنى الجهاد، ليكون حروب صليبية،  فبعد أن غزاهم المسلمين غزاهم الصليبيين.. وأصبح المسلمين في واقع مُشتت الهوية، لا يعرفون أهم مُتخفين بإسلامهم، أم مُجاهرين بصليبيتهم..؟!!

وهذا هو واقعنا الراهن المُتكرر، الذي حدث في الماضي الغابر، والذي ساقه إلينا مُنير عُتيبة، كغاية من الحكي والسرد التاريخي، أو في صورة السياق التاريخي.. ليُصدر لنا نتيجة صراع السلطة، والتعصب العُنصري، وتشتت الأهداف، وتفرق الجمع، وانحراف المرجعية.. وهذا ما نُعانيه في حاضرنا المُنهزم.. والذي يُمكن تلخيصه في كلمتين فقط، يحملان تشخيصاً واحداً، كرس له الكاتب في روايته، وهو.. امتساخ هوية. 


الإبتساماتإخفاء