بروميثيوس - البائس



  البائس 

بروميثيوس 


"مرحبا بك في عالمنا، لقد سعيت كثيرا لكي تنضم إلينا، وقد وافق السيد المعظم على قبولك ضمن صفوف خدامنا ..."
طرقت العبارة أذن باسم وهو جالس داخل منزل أحد رفاقه إحدى قرى صعيد مصر، انتفض جسده حين سمعها فنظر لرفاقه وسألهم إن كانوا سمعوا شيئا فهزوا رؤوسهم علامة النفي، فعاد الصوت مجددا داخله بصوت أقوى ووقتها ترك رفاقه ودخل غرفته وأوصد الباب بإحكام وجلس في الظلام على طرف سريره .. 
همس بصوت خفيض : 
كنت أعلم أن السيد المعظم سيقبل وجودي معه بعدما توسلت إليه أن أدخل عالمه .
رد الصوت بقوة : 
أنت خادم للسيد المعظم ولست معه، ما أنت إلا كائن بائس فاني كيف تقول أنك مع السيد المعظم ؟! 
همس بصوت خفيض مرعوب : 
حسنا، لا تغضبوا لقد توسلت للسيد المعظم أن يقبلني في عالمه عسى أن ينتشلني من هذا العالم البائس وأكون محظوظ بتبعيتي له ... 
تألق شرر بسيط في الغرفة ففزع باسم وقفز من مكانه ووضع يده على فمه ليمنع شهقة رعب كادت تخرج من فمه وعاد يقول : 
أرجوكم أخبروا السيد أنني قادر على تنفيذ ما يطلبه لكن دون أن يجعل من حولي يشعرون به أو بكم . 
عاد الصوت بداخله : 
" عند المقابر .... الليلة ... الواحدة صباحا .. تأتي بسكين وورق وخشب " 

أضاء باسم الغرفة وجلس ليستعيد ذكريات الأحداث كلها حتى هذه اللحظة ...

كانت البداية حين فشل باسم في حياته الدراسية والعملية والعاطفية وحتى الزوجية، لم يدخل باسم في شئ إلا وأتممه على أكمل وجه من الفشل لدرجة أن الفشل كان يعتبره شريك حياته الذي لا يستطيع مفارقته ! 

وفي أحد الأيام أخبره أحد رفاقه أن ما فيه هو نتيجة أن أحدهم قام بعمل عمل له لكي يكون فاشلا! 

قد يكون قريبه أو صديقه أو شخص لا يتمنى له الخير، ولإنه مؤمن تماما بالأعمال والسحر والدجل فقد صرف كل ما تبقى من ميراث أهله على هذا المجال حتى قابل أحد الرجال أصحاب الشأن في مجال الجن والاتصال بالعوالم السفلية وأخبره الحل أن يسلم نفسه للسيد المعظم الذي إذا اعتبره معه سيغنيه غناءا فاحش ويرسل له من الخيرات ما لا عين رأت ولا أذن سمعت !!!

حضر عند الرجل في وقت متأخر وعرض عليه كل أنواع الاتصال بالسيد المعظم ودفع ما تبقى معه من نقود حتى أفلس ولم يعد معه جنيها واحدا ولم يتم الاتصال وقتها أخبره الرجل أنه لا فائدة من ذلك لقد رفض السيد المعظم ولاءه وطاعته ..

عاد بائسا لمنزله لم يكن يدري ماذا يفعل ؟ 
لقد بنى آماله وأحلامه على السيد المعظم ، كلما انقطعت الكهرباء وشعر بلفحة هواء اعتقد إنها علامة من السيد المعظم لمقابلته كان يعلم جيدا أن السيد المعظم هو كبير عالم الشياطين إن لم يكن إبليس شخصيا !! 

لذلك أحضر كافة الكتب التي تتحدث عن الرموز والمصطلحات التي يقولها لكي يقوم بالاتصال معه وفعل ذلك، دخل الحمام عاريا وصرخ ، مزق جلده وهو يتوسل له ليقبله ، أعلن كفره بخالقه فقط لكي يقبله السيد المعظم حتى قال له خذني لك خادما وقتها سطع ضوء غريب في الغرفة ثم صوت مثل قرقعة النيران داخل حمام منزله فدخل مسرعا ووجد مكتوب على مرآة حمامه ( قريبا سيرضى عنك السيد المعظم ) 
وقتها لم تسعه الدنيا من الفرحة..

تذكر باسم ما حدث وهو يخرج من بيت رفيقه ويذهب إلى المقابر بسكين وورق أبيض وعند المقابر نزع ثيابه ووقف كما ولدته أمه وصاح : 
أيها السيد المعظم، الكريم، المعطاء، يا من تملك أسباب السعادة والشقاء، يا من في يدك الخير والشر لبني البشر، جاءك خادمك المطيع باسم ليعطيك روحه لكي توافق على وجوده ضمن خدامك المطيعين ...

لم يدر كيف نطق هذه العبارات ولكنه وجدها سلسة وسهلة على لسانه كأنه عاش حياته يقولها وتأكد من كون السيد المعظم وافق عليه ضمن حاشيته ... 
سمع صوت حفيف الأشجار وصوت أقدام كثيرة فشهر سكينه وجرح نفسه وكتب على ورقاته البيضاء شروط ولائه وطاعته لسيده ومولاه الجديد .. 

***************************** 

" كانت حالة من الفصام، بالإضافة لهلاوس وضغوط نفسية كثيرة بسبب الفشل في كل أمور الحياة " 

كلمات قالها أحد أطباء المصحة النفسية وهو يواجه ضابط الشرطة الذي سأله :
هل هذا السبب الذي جعله يعود عاريا من المقابر ويقتل كل رفاقه في السكن ؟ لقد كان يقول أن السيد المعظم هو من طلب منه هذا ولقد ذبح الجميع وجلس يستحم بدمائهم !! 

الفصام والهلاوس والضغوط النفسية جعلته يرى نفسه خادما لإبليس ينفذ له رغباته حتى يستطيع أن يحصل على الأموال والمناصب والجاه وبسبب تلك الحالة عاد وقتل أصدقائه ليبين ولاءه ... 

هز الضابط رأسه متفهما وفتح الباب وخرج ومر على غرفة باسم ورآه نائما على سريره؛ كان باسم وقتها في عالم آخر رآى فيه سيده المعظم وهو فوق عرشه ويسأله :
لقد نفذت لك ما طلبت لماذا لم تنفذ ما قلته ؟

ضحك سيده وقال بصوت ضاحك ساخر : 
من قال لك إني لم أنفذ ما قلته لقد طلبت الراحة من هذه الدنيا والتميز وها أنا أحقق لك طلبك سترتاح من الدنيا للأبد كما أنك تميزت بسفكك للدماء ... 
وأخذت ضحكته ترتفع 

( تمت )


الإبتساماتإخفاء