إيلان أدم - باب آمن للخروج


باب آمن للخروج

أياد متعددة.. قبضة واحدة
 إيلان أدم


قد لا يُمْكنك القفز فوق أسوار طائفتك، أو التخلي تماما عن طموحاتها، خاصةً إن كنت تستوطن بلدًا تعددت ثقافاته، وتنوعت أعراقه، وتجذرت أديانه؛ كالعراق أو سوريا. وبرغم أنك ولدت بجينات التعايش، وإيمانك فطري بأنك لست نسخة متطابقة من أقرانك؛ إلا أنه ما زالت أشباحك تهمس في أذنيك: "إقطع شرايينه..إملأ كأسك من دمه..إرتشف حتى تسكر؛ فتسبح أنت القاتل في ملكوت الرب، ويهوي هو المقتول إلى جحيم الشياطين" إنها الطائفيه في أبشع صورها عنفاً، وكذباً، وخداعاً..


معادلة صفرية:

 كما لا يمكنك أن تدير ظهرك لبيتك الصغير حيث نشأت؛ أيضا لا تستطيع الفكاك من بداهة الحقيقة المؤلمة التي يصطدم بها عقلاء الوطن، وحكمائه عند كل محاولة لإحداث التعايش، ونشر السلام بين شركاء الأمة. إذ يتشبث النظام الحاكم بعصا المايسترو بمفرده. فهو لا يرى الشعب بمؤسساته؛ إلا أعضاءً لفرقة موسيقية واحدة؛ وعليهم جميعا الإلتزام بإشاراته.

وتلك هي الأزمة الحقيقية؛ إذ يصعب السير في العمل على توحيد الصف، بمعزل عن هذا المايسترو. فلا توجد مؤسسات مستقلة، ولا يوجد مجتمع مدني حقيقي. وذلك هو التحدي القائم في كل حين، والذي لا مفر من إنجازه.


أدعياء الإستبداد والنفعيون، يرون أن الديكتاتورية ربما تكون حلا ناجزا؛ لإنهاء حالة التشرذم، والتفسخ القائم بين طبقات المجتمع، وشرائحه المختلفة في البلدان المتعددة ثقافيًا، أو المتداخلة ديموغرافيًا. حيث يمكن للحاكم المستبد أن يكبح جماح الكل، وأن يحول دون تغول فئة على أخرى؛ فيصير الوطن نسيجا مترابطا، ويصبح المجتمع واحة أمنة للتعايش المجتمعي.


ومن يعتقدون في هذا التصور؛ يلوح في ذاكرتهم فترة حكم الرئيس العراقي الراحل (صدام حسين)؛ حيث شعار الدولة الوطنية الجامعة{عراق لكل العراقيين}. ويرون أن الصراعات الدموية بين الطوائف والمجموعات، تنشط –حصرًا- في فترات ضعف النظام السياسي، وتستعر بمجرد رحيله التام عن المشهد.

فالشوارع، والأحياء التي خلت من صيحاته، وخرجت عن قبضته؛ صارت مرتعا للأشباح، وخفافيش الظلام؛ بعد أن غادرت كهوفها الكائنة بأقاصي الجبال، وأطراف القرى البعيدة، وأسرعت نحو العواصم. فتكونت الميليشيات المسلحة، والبيئات الحاضنة لها. صار القتل على الهوية؛ فدارت المجازر، وكثرت عمليات الإبادة الجماعية، والتطهير العرقي. تم محو الموروث الثقافي والتاريخي. دُمِرت البُنى التحتية للبلاد. فرت العائلات إلى مناطق نائية، حيث قسوة العيش، والتشرد، والمصير المجهول.  فهل كان لذلك أن يحدث في غياب الدولة، أي لو لم يرحل (صدام) ورجالاته؟


ويرى أخرون أن الديكتاتورية نظام شمولي، مركزي، عقيم، ينبغى إحلاله. فلربما كان سبباَ رئيسيا في نشوب النزاعات بين أطياف المجتمع، ومكوناته. حيث أن نظام كهذا، نرجسيٌ، لا يؤمن بالتعددية، يزاوج بين التنوع الطائفي، والتقسيم على أساس طائفي. يوسع بإستمرار مفهوم الأمن القومي، ويجعله فضفاضا؛ حتى يتمكن من إحكام سيطرته على البلاد، وإحتكار السلطة؛ التي لا يزحزحه عنها إلا الموت، أو التوريث، أو الإنقلاب، أو الثورة.

فليس هناك ما يعرف بالتداول السلمي أو الطبيعي للسلطة. وبهذا تظل البلاد قابعة فوق فوهة بركان، يتحسس لحظة الإنفجار؛ ليتنفس، وتتناثر شظاياه الحارقة  في كل مكان؛ تحرق، وتسحق، وتدمر.


ثمة قضية أخرى مرتبطة؛ تزيد من خطر هذا النظام على الدولة التى يحكمها؛ وهى إن كان الحاكم إبناَ لإحدى الطوائف الراديكالية، كما هو الحال في سوريا. إذ ينتمي النظام للطائفة الشيعية العلوية، حيث الإمتيازات الواسعة، والتوغل السياسي، والعسكري، والإقتصادي الممتد في جسد البلاد طيلة عقود، منذ فترة الأب.

لذلك؛ فالشعور القائم بالإحتقان، والكراهية، وذهاب روح الإنتماء؛ يزداد توترا، ورغبة متأهبة للإنتقام؛ جراء التهميش وتجاهل الحقوق المشروعة، وسيطرة فئة بعينها على مقدرات الوطن، عبر أميرها المسمي برئيس الدولة.

فتعلو بذلك دعوات الإنفصال عن الدولة الأم، وتندلع الصراعات الطائفية الفوضوية وقت تزعزع أركان الحكم؛ في حين كان من الممكن معالجة الأمر، وقت إستقرار أركان الحكم.


وبرغم ذلك؛ قد تروق للحاكم حماقاته أحيانا، ويرى أن سياسة الأرض المحروقة؛ هى أنجع الطرق لتمديد بقائه في السلطة؛ بحجة الحفاظ على الدولة من خطر التقسيم، الذى هو أحد أسبابه بالأساس.

وكذلك التمكن من مخاطبة الخارج، بعد أن يرفع لافتة الحرب على الإرهاب؛ وحماية الأقليَات، تلك اللغة التي يعتمدها المجتمع الدولي. حيث لا حديث بشأن الحريات العامة، أو الحقوق الشخصية، في وضعية حرب أهلية.

 صراع مُلتبس:

 الجدل لا يتوقف، حول طبيعة الصراع القائم في منطقة الشرق الأوسط، والساطع نجمه في العراق وسوريا. هناك من يعتقد أن الصراع طائفي{سني/شيعي} بغلاف سياسي خادع من قِبل الطامعين والطامحين، لفرض مذهبهم ونشره في كافة المناطق التي يمكنهم الوصول إليها؛ لإحياء إمبراطورية أجدادهم.



وهناك من يظن أن الصراع سياسي، بغلاف ديني تآمري من قِبل المستغلين لمشاعر الشعوب المتأصلة دينيًا؛ بهدف كسب مزيد من أوراق الضغط السياسية لإستخدامها لاحقا في محاولة تغيير الهوية الجمعية، والثقافة السائدة. وهؤلاء غالبا ما يفتحون قنوات إتصال بينهم، وبين أجهزة مخابرات بعض الدول المعادية لفكرة الهوية الدينية العابرة للحدود.


وإذا سلمنا بوجود مؤامرة حقيقية على كلا الشعبين العراقي، والسوري، وأن هناك محاولة قفز على مكتسباتهم التي كانت وشيكة؛ فليس غريبًا أن تتعدد التنظيمات، والفيالق على الأرض السورية، تقاتل بعضها بعضا؛ إما دعما للنظام القائم، أو لمصلحة أنظمة أخرى خارجية. والجميع يرفع الشعارات الدينية ذاتها؛ في مشاهد عبثية قاتمة.

 أما المعارضة المنبثقة عن الثورة؛ فعليها دائما درأ خطر الجماعات المسلحة؛ الموالية أو المناهضة للنظام؛ والتي تريد فرض أجندتها بالقوة. وهذا يؤكد ما سبق قوله بخطورة أن ينتمي النظام الحاكم، لطائفة أصولية.


بدائل موازية:



دعاة الفتنة، وأمراء الحروب؛ دائما ما يستغلون التقسيمات المجتمعية؛ لخلق فكرة الأقليات المستضعفة، لضمان حقها في أخذ حصتها من كعكة الوطن، الذين هم قاموا بتفتيته. والحقيقة الغائبة عن الأذهان، أن الأقلية هى التي تحكم في الأنظمة الغير ديمقراطية، مثل سوريا الأسد.

إن الحديث عن الأوزان النسبية للكتل الشعبية، والتشبث بحق الأغلبية الفائزة في أن تصنع ما تشاء؛ لهو دعوة لإستبدال إستبداد قائم، بأخر، ربما يكون أسوأ؛ ولكن بلباس ديمقراطي. وللأغلبية الحق في إدارة شئون البلاد، فقط من خلال مؤسسات مدنية مستقلة، منبثقة عن دستور مدني ديمقراطي توافقي، يرعى حقوق الأغلبية، والأقلية معًا. إذ أن مستقبل الوطن؛ يرسمه جميع أبنائه سويًا. فلا مجال للمحاصصة أو المخاصصة؛ خارج أروقة المجالس النيابية، أوأبنية الإدارة؛ حيث التقسيمات بداخلها مقبولة سياسيا، وشعبيا. فهى قائمة على أساس تنافسي؛ يحفظ للفائز حقه، ويضمن للخاسر إمكانية العودة مستقبلًا.


أما العامة -وهم يمثلون الغالبية الشعبية الكبرى الغائبة عن المشهد-؛ فتمثلهم مؤسسات أخرى غير حكومية، تقوم بدور موازِ، بعد فشل الدولة في دعم المجتمع المدني. وغالبا ما يتم إستهداف تلك المؤسسات، وتخوينها، وإتهامها بالتخابر مع جهات أجنبية؛ للحد من تأثيرها المباشر في توعية الأفراد، وتعريفهم بحقوقهم المدنية، والسياسية. وكذلك دورها الفعال في إجراء إستطلاعات الرأي المختلفة؛ الرامية إلى تقييم الأداء الحكومي، ومقارنته بالنتائج على أرض الواقع.

 والحقيقة أنه لا سبيل للخروج من أزمة الإستبداد، وتعثر حلم التعايش المثمر بين المواطنين؛ إلا بدعم المجتمع المدني. ولا تقويم حقيقي لأداء منظومة إدارة الحكم، إلا بالمراقبة الشعبية بوسائلها المدنية السلمية الضاغطة. فالحفاظ على الوطن هو مسئولية كل مواطن. ولكن، لابد أن تكون الحكومات ممثلًا حقيقيًا للشعب، إن أرادت دعمه؛ وإلا فالفوضى دائما هى البديل.

 خطاب جديد:

 من غير المنطقي أن تتعصب لنفس الأسباب؛ التي قد يحترمها لك غيرك، ويقر بحقك الكامل في الحفاظ عليها، طالما كانت من إختيارك؛ أي أنك مارست حريتك بشأنها، دون إيذاء الأخر!. فلك أن تمارس شعائرك، وتعبر عن رأيك؛ دون أن تجرح مشاعر الأخرين، بالتقليل من شأن ما يعتقدون. والرائع أن الحرية، والتعايش، وقبول الآخر؛ كلها مكفولة في جل الديانات، والأعراف. بل إنها فطرية، يولد بها الإنسان.

فأنت لم تخلق بذات بصمة إصبع أخيك، أو بذات تكوينه العقلي؛ رغم أنك قد تكون عايشته، وشاركته ذات الرحم، وأنتما جنينين تتقاسمان غذاءً واحدًا، حتى صرتما توأمين. فلماذا إذًا بعد أن تخرجا سويًا إلى الدنيا؛ يريد أحدكما أن أن يحتكر الحقيقة، ويحرم أخاه حقه في أن يكتشف بنفسه؟


التنوع البشري ثروة حضارية، يجب الحفاظ عليها، لا تبديدها. ولو أرادنا الخالق أمة واحدة؛ لفعل. ولكنها أجناسًا بشرية، تتعارف؛ لتتآلف، وتتداخل؛ لتتعايش؛ فتنمو الأرض، وتتطور..ينتشر العمران، وتتم الرسالة التي خلق من أجلها الإنسان.


فأن تؤمن بأنك لست وحدك في السفينة؛ يُعد بداية جيدة لبناء صرح عظيم، للتعاون بين الفرقاء. الإيمان بالفكرة؛ هو أول خطوة نحو تطبيقها. وأيًا ما كانت المعادلة في الواقع؛ فإنك أنت العنصر الرئيسي بها..أنت القوة الكبيرة المبعثرة؛ والتي إن تجمَعت، وإلتحمت؛ لأدبر الطامعين والطامحين، وفر أمراء الحروب وخفافيشهم إلى حيث كانوا؛ لتوقف العبث بمقدراتك وثرواتك، لزال الخوف، وحل الأمن والإستقرار.

 الحرية قيمة إنسانية رفيعة؛ بل هى أم القيم. فليس لأحد فضل على غيره في وجوده على هذه الأرض. لذا فلنكُف عن بناء جزر معزولة؛ في أبحر من الدماء، قد تهوي بنا إلى أعماقها. ولنتذكر المقولة الخالدة ﻟ (مارتن لوثر كينج):

"علينا أن نتعلم العيش معًا كأخوة؛ أو الفناء معًا كأغبياء". ولنرتقِ بخطاباتنا المجتمعية؛ الدينية، والإعلامية، والسياسية. فمن الأفضل لنا، أن نستظل بالحرية، ونبرز أهميتها في تحقيق التعايش السلمي البناء بين كافة الأطياف؛ عسى أن يفتح لنا ذلك، بابًا أمنًا للخروج.

شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء