يوسف شكرة - الثقافة الشعبية شاهد على الأصالة والتنوع في المغرب



الثقافة الشعبية  شاهد على الأصالة والتنوع في المغرب
مقاربة سوسيولوجية وإعلامية



يوسف شكرة
باحث في التواصل الثقافي والإعلام



عرفت الثقافة الشعبية في المغرب تحولا نوعيا نظرا إلى اهتمام المثقفين والباحثين المغاربة على اختلاف تخصصاتهم واتجاهاتهم الثقافية والفكرية والإيديولوجية بالبحت الأكاديمي، في مختلف ألوان وأجناس الثقافة الشعبية ،المختلفة من آداب وفنون وعادات وتقاليد متوارثة بين المغاربة بجميع مظاهرها المحلية والجهوية والوطنية .


تمثل الثقافة الشعبية بالمغرب قيمة ثقافية رفيعة وتعد ذات أهمية اقتصادية كبرى، بالنظر إلى عراقتها وتنوع تعبيراتها بتعدد مناطق المملكة وتجاور التيارات والمرجعيات التاريخية والحضارية التي عبرتها، فضلا عن طابعها الحي وارتباطها المباشر بقطاع اقتصادي حيوي هو السياحة الثقافية.


لقد أدى الاستعمال الإيديولوجي لثقافة الشعبية إلى ظهور مصطلحات كثيرة تحاول التعبيرعنها، فهي تارة فلكلور وأخر أهازيج وطورا تقاليد وأحيانا تراثا كما بدأ الاهتمام ينحو الى التناول الجدي والحقيقي لهده الثقافة، واخدت تحدد المفاهيم عند الحديث عنها وبدلك صرنا نقرأ تعار يف للفولكلور لا تحمل معنى العبث و المجون واللاجدوى ،كما كان متداولا في ستينيات القرن العشرين وهنا نجد ارميني فوجلين تعتبر أن الفلكلور لا يشمل المادة الشعرية والنثرية الشفاهية فقط بل يشمل أيضا كل الفنون المصقولة المأثورة أيضا بالإضافة إلى الصناعات الفنية المأثورة والتقليدية وجزءا كبيرا من المعتقدات الدينية والاجتماعية والعادات مما يصنفه الانثروبولوجيون عادة تحت مصطلح العام اثنوغرافيا.


بينما يرى تيلور، إن الفلكلور يتكون من المواد التي تنتقل تدريجيا وتقليديا من جيل إلى أخر من دون إسناد يعتد به إلى مبدع أو مؤلف معين لكن الانثروبولوجي الأمريكي وليام باسكوم ،يعتبره علما للأساطير والحكايات الشعبية بأنواعها والأمثال والألغاز والشعر الشعبي وغير دلك من أشكال التعبير القولي التي تعتمد الكلمة المنطوقة وفي الإطار نفسه يرى سولوكوف ،أن الاهتمام الفولكلور يكمن في الإنتاج الفكري غير المكتوب الذي لا يتخذ من المؤسسات المدرسية طريقة لانتشاره وإبداعه فهو ادن يتسم بالعفوية والتلقائية ودلك في إطار مجتمعه خاص وضمن ظروف  زمنية وبيئية معينة فلا غرابة أن يكون صدى الماضي ولكنه في الوقت نفسه صوت الحاضر المدوي.
 ويرى الباحث مصطفى محسن أن الثقافة الشعبية ،هي منظومة متكاملة من المعارف والقيم والرموز والمعايير والمعتقدات والأعراف والتقاليد والعادات والقوانين والقواعد ونماذج التفكير والفعل التي يقوم عليها نمط عيش ورؤية للعالم لدى جماعة أو مجتمع معين محدد في الزمان والفضاء وضمن هده الدلالة تتأطر الثقافة من أغان وأمثال وحكم ومعتقدات وتقاليد وحكايات وأدعية وتلاسنات وصيغ في التخاطب والتعبير والتصرف وأنماط مختلفة ومتعددة من الفرجة والمناشيط الثقافية ،مما يصنفه الباحثون في العلوم الإنسانية والاجتماعية في مجال الحس المشترك او الحس السليم كما يدعوه البعض والدي يفترض أن يعبر بشكل عفوي مباشر عن القطاعات العريضة في المجتمع، أي عن الفئات الشعبية العامة مشكلا بدلك منظومة القواسم المشتركة من القيم والمعتقدات والاتجاهات المختلفة لدى هده الفئات أي خلفية موجهة لأفعالها وتبادلاتها المادية والرمزية داخل المجتمع .

ورغم الانتقادات المتواترة من لدن المهتمين بهذه الكنوز المتوارثة بضعف اهتمام المؤسسات الرسمية بتوفير أسباب بقاء وتطور هذه الفنون، يتميز المغرب باستمرار حضورها القوي في الحياة الاجتماعية والطقوس الاحتفالية للمغاربة، وإن كانت التحولات الهائلة التي تضمرها أجواء الحياة العصرية المرتبطة بالتحديث والتمدن تدفع في اتجاه تعبئة جهود أكبر من أجل حماية إبداعات تراث عابر للتاريخ ودعم حاملي أسراره وضامني استمراريته.


ويعد المهرجان القومي للفنون الشعبية الذي تحتضنه مدينة مراكش كل سنة منذ عقود بمثابة متحف حي وسجل تاريخي فني يوثق تعبيرات فنية تنفتح على بصمات وتأثيرات عربية وأندلسية وأمازيغية وأفريقية، تبدو بشكل متمايز أو في صيغ امتزاج حضاري متعدد الألوان.



وعلى مدى ثلاثة أيام، توجه الدعوة إلى عشرات الفرق الفولكلورية لتقديم وصلاتها، إيقاعاتها وأهازيجها، بحضور حشود من الجماهير المحلية والأجنبية التي تتوافد على المدينة الحمراء الوجهة السياحية الأولى في المغرب.
تلك اللوحات الساحرة التي تصنعها فرق شعبية بكل عفوية وإتقان في الوقت نفسه لا تحجب حقائق سلبية في مقدمتها التهديد بالانقراض الذي يواجه بعض التعبيرات الفنية التي فقدت قاعدتها الاجتماعية أو عجزت عن إيجاد أجيال جديدة حافظة للسر الفني الحضاري، وكذا الوضعية الاجتماعية والاقتصادية الهشة التي يعيشها الفنانون المتعاطون لهذه الأشكال الترفيهية التي لا تستفيد من التسويق اللازم، ويبخسها الناس والمؤسسات قيمتها الثقافية والفنية أحيانا.
ويتطلع الغيورون على مصير هذه الآثار الفنية إلى انكباب فعلي على بلورة منظومة حماية تعزز صمودها في زمن العولمة وتشجع مبدعيها وحاملي أسرارها على تطوير أدائهم ومواصلة مشاريعهم الفنية بكرامة واحترام، كما تنتقل بهذه الفنون من صيغة عرضها الفولكلوري الجامد الذي يجعلها أقرب لبطاقة بريدية من الماضي منها إلى وضع الفرجة الفنية الحديثة بكل مقوماتها.
ولعل الإعلان عن إحداث مؤسسة قومية للفنون الشعبية، على هامش مهرجان مراكش المنعقد بين 26 و28 سبتمبر/أيلول الذي نظم بساحة جامع الفنا الشهيرة، وسط المدينة الحمراء، يشكل خطوة مؤسساتية في هذا الاتجاه، من حيث الرهان على حماية التراث الفني الشعبي من جهة، وتأهيل هذا التراث للانخراط في منظومة الإنتاج الفني والثقافي الحديث من جهة ثانية.
ووعيا بالطابع الأفقي لهذه الفنون من زاوية ارتباطها بعدة قطاعات، مركزية وجهوية ومحلية، تضم المؤسسة وزارتي الثقافة والسياحة وممثلي المجالس المحلية والقطاع الخاص والجمعيات الأهلية المهتمة.
وتكمن وظيفة المؤسسة، حسب وزارة الثقافة، في مواكبة ودعم وتأطير الفرق الشعبية والفنانين المتخصصين في هذا التراث القومي وتجويد العروض مع الحفاظ على الخصوصية الإبداعية المحلية.



مدينةالفنون 
ومن الثمار العملية لهذا المشروع إحداث "مدينة الفنون الشعبية بالمغرب" بمدينة مراكش ابتداء من 2015، وذلك في إطار التصميم الحضري الجديد الذي يعيد النظر في مرافق المدينة ومعالمها العمرانية والثقافية وتخطيط مجالاتها.

مدينةالفنون 
ومن الثمار العملية لهذا المشروع إحداث "مدينة الفنون الشعبية بالمغرب" بمدينة مراكش ابتداء من 2015، وذلك في إطار التصميم الحضري الجديد الذي يعيد النظر في مرافق المدينة ومعالمها العمرانية والثقافية وتخطيط مجالاتها.
وستضم مدينة الفنون الشعبية إقامة لفناني الفرق الشعبية كي توفر لهم مجالا للتمارين وورشات للتكوين المستمر، وقاعات للعروض ومكتبة متخصصة. كما عهد إليها بمهمة توثيق التعبيرات الفنية الشعبية، صيانة لذاكرة جمعية ضاربة في القدم.
ولا تنفصل هذه التحركات من أجل صيانة الفنون الشعبية بالمغرب عن الإستراتيجية التي وضعتها وزارة الثقافة تحت عنوان "التراث في أفق 2020"، التي تشتمل على ترسانة من التدابير التشريعية والإجرائية بغرض حماية التراث اللامادي بمختلف أشكاله.
ويتعلق الأمر بمراجعة القانون المتعلق بالمحافظة على التراث الثقافي ووضع الميثاق القومي للمحافظة على التراث الثقافي والطبيعي، فضلا عن منظومة الكنوز البشرية الحية بالمغرب٬ وهي آلية للحفاظ على التراث اللامادي.
وتهدف مراجعة القانون المتعلق بالمحافظة على التراث الثقافي إلى التعريف بكل مكونات التراث الثقافي وسن القواعد العامة لحمايتها وتثمينها.
أما الميثاق الوطني للمحافظة على التراث الثقافي والطبيعي، فيتضمن تقنين واستكمال عملية الجرد والتسجيل في السجل القومي للممتلكات الثقافية وتصنيف التراث الثقافي وإنشاء لجنة قومية للتراث.
وتنطلق منظومة الكنوز البشرية الحية من إعادة الاعتبار لحاملي التعابير الفنية العريقة وممارسيها بوصفهم ضامني استدامة هذه الفنون وتوارثها بين الأجيال.


المراجع والكتب

علال ركوك .موسيقى أسفي نماذج وتجليات٬ ص 5٬ منشورات جمعية البحث والتوثيق والنشر الرباط 2005٬

مجلة أفاق مقال الإستاد عبد الحي الديوري عن الجدبة والتصدع٬ ص 20٬ العدد 9٬ دار النشر المغربية٬ يناير 1982

ادريس كرم ٬الأدب الشعبي الاداور والعلاقات في ظل العصرنة ص 21٬ منشورات اتحاد كتاب المغرب 2004٬

الثقافة الشعبية بين المحلي والوطني ٬أعمال الدورة الثالثة لجمعية الجامعة الصيفية٬ بأكادير ص38٬ محمد جسوس عكاظ 


الإبتساماتإخفاء