دعاء تليمة - غدا نجلس سويا



غدا نجلس سويا

دعاء تليمة

تنتظر في البهو الخارجي ، ترقب الحركة المحمومة للأطباء والممرضين في دخولهم وخروجهم من باب الغرفة ، تحاول أن تختلس نظرة إلى داخلها كلما فُتح الباب لكنها لا تستطيع أن تلمح إلا هالة من البشر تحيط به، كل منهم يمد يده حوله .

"آه لو مرَرْتُ عليه بالأمس؛ لكنت قبلت يده ورأسه واحتضنته بقوة ، لكنت أَرحت رأسي على صدره وبكيت حتى بللت قميصه بدموعي ، آه لو ترجع الساعات إلى الوراء، لكنت أمضيت كل يوم ساعات معه نتحدث سويا كما كنا نفعل وأنا صغيرة ...آه لكنت .... لكنت أخبرته كم أحبه"

يربت على كتفها ويحاول تهدئتها.

" سينجو منها ، رحمة الله واسعة ، تعالي اجلسي قليلا"

يحاول زوجها طمأنتها وتخفيف حدة قلقها، يسندها حتى تجلس إلى كرسي في الممر المجاور للغرفة، ترفع رأسها قليلا وتبتسم ابتسامة خافتة بوجه شاحب من شدة التعب والإرهاق وعيون غائبة خلف الحزن والذكريات.

"أرجو من الله أن ينجِّيَه لي"

يخرج الطبيب من الغرفة متوجها إليها حيث تجلس.

"الحمد لله استقر الوضع هو الآن أفضل لكنه نائم ، يمكنك القاء نظرة لمدة بسيطة على أن تعودي في الغد في موعد الزيارة"

شكرته بحرارة ثم توجهت إلى الغرفة، مدت يدها لتفتح الباب ، وعلى قدر شوقها إلى رؤيته لكنها تراجعت، بداخلها شيء ما يرفض رؤيته على هذه الحال ، تبتلع ريقها وتدفع الباب برفق.

تجده أمامها ، نائما في الفراش، حوله أجهزة عدة لا تعلم ماهي لكنها موصلة بأجزاء مختلفة من جسده.

تقترب منه بحذر خشية أن توقظه " وجهك أهدأ الآن يا أبي"، تطبع قبلة على جبينه ، وتمسك يده بين كفيها، تتأمل تلك العلامات التي لم تلحظ نموها على وجهه وكفيه إلّا الآن ، خطوط كثيرة رسمت على جبهته وحول عينيه ، جلده الذي أصبح رقيقا وناعما كطفل صغير، كفه الواهن بين يديها، كل ذلك بعث فيها شعورا غريبا لم تَخْبُره من قبل.

سرت في جسدها رعشة وبرودة، وكست وجهها دموع غزيرة تدفقت دون صوت أو أنين.

" أخطأتُ حين لم أُجِب طلبك في الحضور بالأمس ، تعلّلتُ بحجة واهية حرمتني التمتع بصوتك قبل أن تغيب عني "

بللت دموعها كفه ،" أمسكي هذا المنديل وامسحي تلك الدموع لا نريد أن نزعجه فهو بحاجة إلى الراحة الآن" يناولها زوجها منديلا ويحاول أن يحملها على مغادرة المشفى .

تقبل جبينه بشفاه مرتعشة ، وتعيد كفه إلى جانبه على الفراش بهدوء، لتفاجأ به يمسك بيدها ويجذبها ببطء نحو وجهه و تنفرج شفتاه قليلا

"اقتربي مني أكثر "

تكسوها الفرحة كلّيًّا وتقترب بوجهها وجسدها منه، يقبّل وجنتها بحب.

"اشتقت إليك ابنتي كثيرًا ، أنا أفضل الآن إذ رأيتك"

ودّت لو مكثت معه وأمضت الليل سهرا إلى جواره لكن الممرضة قطعت عليها تلك اللحظة ونبهتها إلى وجوب مغادرتها .

ودّعها بنظرة حنان ورجاء بأن لا تتأخر في الغد ، تركته وقد أودعت روحها حوله لترعى ذكرياتهما معا حتى الغد، فتجلس معه ليعيدا سردها سويا، لتستمتع بصوته وبسمته وتفاصيل حركاته التي اشتاقت إليها كثيرا.

شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء