دعاء تليمة - في الشرفة


في الشرفة

دعاء تليمة 

تقف بجوار الموقد، تنظر إلى الأبخرة المتصاعدة من فتحة الإبريق ، تبتسم وتصب الماء المغلي في الفنجان، أعدت كوب شاي البابونج الصباحي وأحضرت جريدة الصباح وجلست على كرسيها الهزاز في شرفة المنزل ،تسند قدميها إلى وسادة وضعتها أمامها لتريحهما من آلام لازمتها في سنين عمرها  الأخيرة.

 نشاط يومي اعتادته منذ خمسين عاما مضت ، لم يتغير حتى بعد وفاة زوجها الذي رافقها رحلة العمر ، تنظر إلى حديقتها بامتنان ، رتبتها بعناية فائقة يغبطها عليها كل زائر من الأهل والأصدقاء ،لكل ركن بها قصة وذكرى محفورة بذاكرتها التي اختلّت مع تقدم العمر ، لكن تلك الذكريات تظل عالقة بالذهن لارتباطها بعبير أزهار حديقتها .

 تقترب منها قطتها الشيرازي البيضاء وتتمسح فيها بدلال مصدرة ذلك الصوت العذب بمواء أقرب إلى المناجاة ، تمسح على ظهرها برفق وتومئ لها أن تذهب حيث اعتادت أن تضع لها الطعام .

 تهبُّ نسمة صباحية محملة بعطر أزهار الليمون، تفتحت زهوره منذ أيام ونشر عبيره في أركان الحديقة والمنزل، يحملها العبير إلى ذكرى عزيزة لرفيق رحل عنها بمودة ورفق.




كانت في أيام حملها الأولى ،تأنف جميع الروائح والعطور ، إلا رائحة الليمون ، أحبتها بشدة وتعلقت بطعمه اللاذع ، وفي صباح اليوم التالي استيقظت على صوته الحنون يدعوها أن تذهب معه إلى الحديقة ليريها هدية تمنى أن تسر قلبها ، أمسك يدها برفق وهبطا معا إلى الدور السفلي ، أغمضت عينيها كما طلب وتقدمت بخطوات واثقة نحو الحديقة ، فاجأتها الشجرة الصغيرة متوسدة ذلك الركن الهادئ في الحديقة ، غُرِست بعناية وحب .

 قبّل يدها ثم قال:" أخبرني صاحب المشتل أنه في العام القادم ستزهر الشجرة بأزهار الليمون وأن عبيرها أخّاذ ينتشر في الجو بسرعة باعثا على البهجة والسرور ، أرجوا أن تنال رضاكِ".

لفّت ذراعيها حول رقبته وتعلقت به كطفلة صغيرة ، وطبعت قبله رقيقة على فمه .

تتنهد في جلستها " للزهور أحوال كما البشر تماما"- كانت تلك جملتها الدائمة – "يحملك عبيرها أياما إلى عالم آخر من الجمال والسحر ، لا يلبث إلا قليلا ثم يبدأ في التلاشي رويدا رويدا مع ذبول تلك الزهور، لكن العبير يبقى عالقا هناك في الذاكرة تستحضره كلّما حنّت له".

تسمع خطوات حفيدتها قادمة من الداخل ، حفظت تلك الخطوات الرشيقة المتقافزة , وكأنها تتعجل مرور الزمن ، تلقي عليها تحية الصباح وهي تحتضنها بكلتا ذراعيها بقوة، فتنتشي برائحة زهرة القرنفل، عطر خاص ميّز ابنتها التي غادرتها دون استئذان، ورثته هذه الزهرة الصغيرة ، تحمل من أمها نفس نظرة التألق والبهاء، واحتفظت ببسمة والدها وعذوبة حديثه.

"تأخرتِ يا سارة ".

"أبدا يا جدتي أنهيت الامتحانات بالأمس فقط".

"أين والدك؟ علّه يمكث معنا بعض الأيام".

"هو في الخارج، يُخرج حقائبي لكنه لن يستطيع البقاء إلا لوجبة غذاء شهية من صنع يديك، يعاني والدي مما أعدُّه طيلة العام الدراسي ويتشوق إلى طعامك الشهي الدسم ".

تضحك فيرتج جسدها الممتلئ ،وتقبّلها في خدها بحنان .

لم تَشُكّ يوما في اختيار ابنتها ، عَلِمت بأمر قلبها منذ اللحظة الأولى ، هي أمها وصديقتها الحميمة، دائما ما ميزتهما علاقة سحرية خاصة ، تتذكر زهور القرنفل التي تعلقت بها مع أول لمحة لذاك الحب ،وكيف اختارت لها مكانا خاصا في الحديقة يتوسط ركن الأزهار لتكون المتوجة بينهن .

 مازال عادل زوج ابنتها يحتفظ لها بالمكانة العليا في قلبه كأم افتقدها طفلا والتقاها زوجا لابنة فريدة بين النساء .

يدخل عليها بهدوء ملقيا عليها تحيته الخاصة ومقبّلا يدها بكل الحب ، تربت على كتفه وتطبع قبلة حنون على جبينه، يمسك يدها برفق ويدخلا معا إلى المنزل ، تعد وجبة غذاء مميزة احتفاءًا بهما ، ويمضِ اليوم وعبير الليمون والقرنفل يتنافسان في  تناغم  حولهما في جو من البهجة والسكينة .