محمد ممدوح خيرالله - كُفر الغاب (2:2)



كُفر الغاب (2:2)

محمد ممدوح خيرالله 

- لقراءة كُفر الغاب (2:1)

   رحبوا معى بعندليب الليلة، صديقى العجوز الصغير موريس ميخائيل المسلم، هو الأن يضغط زر الجرس بقوة لا يشعر بها، إلتهابات الأعصاب أفقدته الإحساس بأطراف أنامله الغليظة، وكفه العريض الذى يشبه كف "فرج" فى فيلم الكرنك، ولقبه المسلم الذى أطلقته عليه حينما وجدته يقرأ هذه الرواية التى بين أياديكم، وكان كلما وصل إلى أية قرآنية تلاها مرتلاً مغردًا كصوت الشيخ الحصري، لديه ميول إخوانية وسأبلغ عنه قريبًا إن لم يكمل لي قصة زواجه الأبدية من زوجته، بعد أن ينتهي من شرحه للإنجيل، كان وقد وعدنى بأن يشرح لى إنجيل متى وقصة نسبه الذى ينتهي عند الرسول متى، وعلى الرغم من إندهاشي بأن المسيحي العجوز يمتلك شجرة عائلية لنسبه تنتهي بأنه أحد أحفاد الرسول متى، الا أن الغرابة التى شكلت ملامح وجهى وقتها قد مُحيت كلها بعد أن إعترف بأنه لا يؤمن بالأنساب، لا فى ديانته ولا أى ديانة اخري، خاصة بعد أن قرأ كل نسخ الأناجيل وإنتهت كلها بإختلاف أنساب المسيح، يعلل ذلك قائلاً: مثلاً.. يصف أنجيل متي نسب المسيح من ناحية يوسف، بينما يصف أنجيل لوقا نسبه من ناحية العذراء، وفى أزمان لم تعد كالأزمان عندما يموت الزوج، تتزوج الزوجة من أخيه فإن أنجت منه يعطى المولود اسمًا منسوبًا الى زوجها الأول..! 

   عندما يحتد بيننا الجدال، يستغيث العجوز بأداءه المسرحي قائلاً "لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية".. سأقص عليكم قصتنا فى فصل أخر، أما الأن يكفى إنتظاره لأن اُجيب على إستئذانه للدخول..! 

***

   فى الجهة الموازية لقضبان السكة الحديد كانت النساء تجلس على حافة ترعة صغيرة ويغسلن ملابسهن المتسخة، وأطباق الطعام وما يلزمه التنظيف، الأن صار الأمر مكروها بعد أن عرفن جميعًا أن مياه ترعتهم الصغيرة أصبحت مصدرًا لشركة مياه الشرب والصرف الصحى التى أعادة تكريرها لتصبح صالحة للشرب، وعلى بعد مئات من الأمتار فى نفس الجهة يوجد منزل عتيق ذو طراز قديم محاطًا بمنطقة واسعة يحجبها سور دفنته الأرض ولم يتبقى منه سوى نصف المتر، ربما تلك المساحة التى انتشرت فيها تجمعات عيدان الغاب، كانت قديمًا جنينة يزينها الورد بأنواعه، وتعلو اشجار البلح كناطحات السحاب، لكنها الأن تشبه المرأة التى تخطت سن اليأس، فى هذا المنزل تعيش سيدة تبلغ من العمر ما يتخطى حاجز الخمسون عامًا، آخر مرة رأيتها فيها كانت على المقعد المقابل لى فى القطار، وقتها كانت لاتزال فى ربيعها العمري، حكمت عليَّ ذات مرة بالفراق، ونحَت إبنتها جانبا عن حياتى، متسلطة هيَّ ككل النساء اللواتى يقفن خلف ستار المسؤلية المصطنعة التى مُررت اليهن عندما فقدن أزواجهن موتي.

   تبًا لذاكرة تشبه ذاكرة تاجر وقت إفلاسة، كلما إمتلأت شحنات سالبة، فرغت شريطها كحدث تاريخى مؤثر، وزادة فى الحنين الى دفاتر قديمة حُرقت الألف المرات..!

   فى ليلٍ كهذا الليل، تراقص الهواء المتدفق من سرعة القطار كثيرًا ليترك لسعة خفيفة على طرف الأنف، منبهًا بمرارة السفر الى القاهرة ممططيا قالب الذكريات، ومتعللاً بأن أفضل طريقة لنسيان أوجاع الحاضر إستحضار أشلاء الماضي.

  ساعات قليلة ووصلت الى محطة مصر، إستقبلتنى القاهرة بزحام شديد، فقدت فيه شرودى مع إندفاع ركاب القطار أثناء نزولى منه، إستقبلنى صديقى أحمد عبدالله، بعناق سريع، وحمل عنى هواجس الوحدة ومرارة الغياب بكلماته التى تحمل من الصداقة أصدقها.

  كنا على موعد لزيارة سريعة لأحد مستشفيات الطب النفسي بمدينة نصر، حيث إنطلقنا الى هناك، واستقبلتنا ممرضة يبدو من لهجتها أنها سورية، كان كل ما يشغلنى، كيف ستنتهى دقائق الانتظار حتى أنتهى من مقابلة الطبيب الدكتور أحمد حسن، استاذ الطب النفسي بجامعة القاهرة، لكن لحسن الحظ، أن الوقت مر سريعًا ومع آخر رشفة من فنجان القهوة التى قدمته الممرضة ترحيبًا بوصولنا، انتبهت على صوتها الجميل وهى تغرد بعذوبة انثوية: اتفضل الدكتور فى إنتظارك.

   تُعد مقابلة الاطباء النفسيين كمواجهة ما قبل حصاد الرؤس، صعبة لدرجة تجعلك تشعر كأنك تتجرد من ملابسك غصبًا. 

  دكتور أحمد حسن استاذ الطب النفسي بجامغة القاهرة قدم لى نفسة عندما قدمت له يدى لاصافحه.

  جلست، فاستمر فى الحديث، المصري يعتبر أطباء النفس معالجى المجانين، ويعتبرنا مجانين يحملون رخصة.. الطب النفسي يستخدم الأن مع  العباقرة، نعم.. نحن نعمل على إعادة هيكلة النزاعات الناشئة عن تضارب الأفكار واختلال العصب الإدراكى لدى طبقات المخ فى الاشخاص الذين يتمتعون بنسب ذكاء خرافية.

   استمر هو فى الحديث وأنا مستمر فى الإستماع وفى الهمس المكتوم "يا وقعتك السودة يا بن ممدوح"..!

   بعد نصف ساعة من الحديث قطع شرودى سائلا؛ ما رأيك؟ فأدركت حينها أننى العاقل الوحيد فى هذا المكان..!

  أتسالنى عن رأيي وأنت صاحب الالاف من الأبحاث التى نشرتها كبرى المجلات الطبية المتخصصة، ومديرًا لاكبر متنفس صحى للعلاج النفسي فى الوطن العربي..؟

   نعم..! وبرغم محاولتك فى الهروب من إجابتى، الا أننى اُدرك تمامًا أنى لازلت أجهل الكثير والكثير، كل يوم اكتشف واتعلم شيئًا مختلفًا.

   انت كريم يا دكتور، ولك اسلوب رائع فى مدح الأخرين، دعنا نؤجل الإجابة التى لا أعرفها الى أن ننتهى من حالتى، حتى لا اُصبح عُرضة لشتات الفكر، فأنسي سبب وجودى هنا. فلنبدأ من البدايات..! 

  ولك حرية الوقت.. هيّ جملة قالها وهو يشير الى الشيزلونج، فتحركت متجها إليه وأنا أقول: كانت كل حاجة مترتبة من أول الأول، لحد أخر الأخر... وهكذا بدأت فى السرد...!

  كانت الأحداث كلها عقلانية، ساعات الفرحة، وأسابيع الحزن، كل ما بدر منى ومنها إحتسبته عاديًا، لملمت أفكارى وإستجمعت مشاعرى وأعلنت لها حبي، إنتصرت على تردد وخوف كاد أن يطيح بفرصة حياتنا معا، وياليتني لم انتصر..!

  فى شهور ستة مرت فترة الخطبة كأنها إستراحة مقاتل أمريكي عاد من أفغانستان سليمًا فقرر أن يستجمع قواه ويحطم ذكرياته مع الجثث وبقايا اشلاءها المتناثرة فى خلايا مخية صغيرة دقيقة شُغلِها الشاغل إعادة الأحداث حيث كانت أو أكثر رعبًا.

  صاحب المقهى إعتاد على وجودنا معًا كل اُسبوع، ومع الوقت بدأ من تلقاء نفسه احضار مشروباتنا المعتادة دون أن ينتظر طلبًا لها، حتى الآن عندما أمر من أمامه عابرًا طريقى، المح فى عينه سؤالا، متى تعودان الى كرسيان إشتاقا لحديثًا لم يفهماه، لكنهما إعتادا على وجودكما معًا..؟

في البدء .. كانت فاطمه ..
وبعدها، تكونت عناصر الأشياء
النارُ والترابُ
والمياهُ، والهواءُ
وكانت اللغات والأسماءُ ..
والصيف، والربيع
والصباح، والمساءْ
وبعد عينيْ فاطمهْ
إكتشف العالم سرّ الوردة السوداء
وبعدها .. بألف قرنٍ
جاءت النساء ..

   هل قرأت نزار قباني يا دكتور..؟ لقد اسميتها فاطمة، اخترت لها هذا الإسم المستعار وأنا أكتب رواية تحكي ما حدث، إخترت أن اخلد الذكريات السيئة لأتجنب الكأبة والإكتئاب فوقعت فى الفخ، والنتيجة أنا هنا الأن، وأمامك..!

    شهدنا معًا ثورات الشفاة على لسانٍ وشفتين إرتكبا كل الجرائم الجنسية فى سعادة، كيف لشفتان جميلتان أن يختبئ خلفها لسان افعي، تبث سُمها فى وجه الأخرين..؟ لقد رفعت شعارًا لها وحدها، صاحت فى وجه الجميع متحدية غريزتها الإنثوية وخطبت فى المقربين قائلة: هناك أشياء أصعب من القتل، وأستطيع فعلها كلها.. صدقت حين ألقت بي بين أربعة جدران، وظلام دامس..! 

جِراحات السِّنانِ لها التِئامٌ                               وَ لا يلتامُ ما جَرَحَ اللسانُ

   بهذا نكتفى اليوم، فاعذرني أيها الطبيب، لم يعد في العالم معلقة سكر واحدة تصلح لأن تذيب طعم جحيم الوحدة ومراره الغياب..!


*** 
يتبع...


الإبتساماتإخفاء