رولا حسينات - قوت لاجئ



رولا حسينات
       الأردن

-  لقد جاءنا الصغير أخيرا يا فتيات.

 هللن ورقصن وملأن بالزغاريد القرية على استحياء.

- أمي إنه يلتقم صدرك جيدا، لديه وجه أبيض كالبدر، شعره الفاحم، عيناه الدائريتان، وفمه المرسوم كعنقود من العنب الأحمر، مكتنز...ياه دعن نرقص، ونقفز فوق البخور، دعن نكاغي له ...هيا تكلم أغ أغ ...لم لا يرد يا أمي، أمي، إنه إنه أبكم...

- الصغير كبر يا أمي...

أطلق شباك عينيه إلى البحر المائج أمامه، وهو يلتقط منه أسماكا محنطة، وقد تهاوت إليه قلوب البشر، وأعناقهم غدت كأعقاب السجائر الرخيصة، جسده الهزيل الذي قصفت قشوره الرقيقة واحدة تلو الأخرى، ونزف دما باردا، تلذعه ملوحته، وهو يلاصقه مع الأجساد الكثيرة، والروائح العفنة، والرطوبة المقززة، وأشواكهم النافرة من وجوههم تجعله متقوقعا في حلزونة صغيرة في إحدى زوايا قارب صغير يطفو على كف عفريت، وهو يبصر ضوءا ضئيلا منسلا من بين أقدامهم المحشورة كمسامير مشكوكة في أرضية من فراغ، حيث تأتيه من شق رفيع في جانبه الذي يضغط بجسده عليه ماء مالح أجاج، يتبعثر أسفله في جوف قارب الرعب، الذي يحمله القدر إلى النهاية.

بعيدا عن تواريخه الممزوجة برائحة البرتقال، والمعجونة بزيتها الأخضر، وصور بحرها الممتد إلى ما وراء الأفق، حيث يتلاقى مع الخط الفاصل بين الصحوة والهذيان، فارا من القدر كأمثال هؤلاء، يطلُّ من الغشاوة البيضاء فوق عينيه باحثا عن براءته في أعينهم وهو مذنب،  وبعينيّ نفسه البريء...

 أي معادلة هذه التي تتكاثر كبيوض البعوض؟

أيستطيع قلب الحقيقة أنّه لم يقتل يوما عصفورا، ولم يسع ليقطف نور الشمس، ويحبسه في زجاجات؟.

فقد عرف الحقيقة كاملة، عارية تماما من كل ألوان الحياة فيها، بممارستها الشهوانية، وعادتها السرية، ولكن بطعم آخر هو طعم ذو رائحة منفرة وطعم لاذع...طعم الموت.

و يقف عن الكلام عاجزا وقد جفت الدواة، والبحر يلتقم في جوفه كل هؤلاء البائسين، ولن يدعه يتمتع بمرارة البقاء وحيدا.

امرأة تبكي صغيرها الذي فرّ من بطنها، أصابها الهذيان، وأخرى تلف رأسها بقماشة ملونة بالشقاء، لا تبين سوى عينين ذابلتين قد سجنت وراء قضبانهما فرحا طفا على السطح، وصورة أمِّه وشقيقاته تنزف دماءً عذراء...لقد سالت الدماء من ضرع من تحب يا أيها الماضي بأشفار الهروب ...

الأسماك وأحشائها في كل مكان...و الرب ينظر إليه بعين الرحمة، كالهارب إلى فجاج السلام فلمن يبكي ويدفع دموعه بلا ثمن؟؟

 ولمن يرمي إنسان عينه  والمقل؟؟

أيعلقه بسنارة لتتلقفه أسماك البحر؟؟

 أم تلك السواطير التي بأيديهم تفعل ذلك بامتنان؟

 فيضيع القاتل والمقتول بليلة واحدة...

 حالكة باردة هي كأصقاع جسده الممتدة إلى ما وراء الحلم المشكوك بفتيل عتيق من فراغ...

يسرع الخطى، وسحب الركام تعقد جبينها أمامه، بضع فراسخ ويصبح صيدها، القيح يخرج من قدميه العاريتين... وهو يبحث عن أثرهن، لم ابتلعتهن الأرض؟، الوجوه الواجمة تحيط به كما الوجه الدميم، ركز عصاته فوق الهضبة، و الظلام يقعيه على حصير خشن، اجتر الهدهدات، وغرغرة  الموت...ولا يسمع صوتا لجدار الأموات.
طقطقة الحطب، والأخيلة الملتهبة تمدُّ أعناقها إلى هالة من نور، والشرار يتراقص على أنين خافت، ورائحة الشواء تصدم أنفه بفزع، رائحة ميزها...عرفها دون غيرها...أخواته الثلاث وأمّه تذوب أجسادهن فيستشيط الحطب.

وأناس القرية مستبشرون، أصواتهم تتعالى بالأهازيج: اقتلوهن اقتلوهن وافرحوا وافرحوا...

 لن تجد صرخاته نفعا، وفرارهن كان إلى السماء، لقد اقتادوهن إلى النار الموقدة، وهم ينفخون تحتها لتستعر، ولينقضي الأمر... رائحة الشواء تزكم الأنوف، والعينان تفضحان القهر، والظلم كما الجسد...

آماله المنهوبة لا يعرف سواها، لها بوابة من أشجار... تدغدغه ضحكاتها، وشعرها الحريري يلفه بعطر فريد...

إنها رائحة النهاية، التي يفرّ منها هؤلاء، وقلبت أجساد أخواته وأمّه فيها بطمأنينة، الموج يضرب أجنحة القارب الغريق، والماء المالح يتدفق أكثر، وأكثر لينقع قدميه العاريتين فيه، يراقب الأعين الجافلة، وصرخات العابرين من خط الموت إلى بطنه ...
يتجاوزون رؤوس بعضهم...

 الكثير منهم  قد تجرع كأس الحنظل أيام كانوا غرباء، فما تراه الفرق؟، الأطفال يبكون، والضرع منزلق على الصدر ينزف لونا أحمر...نداءات الاستجداء لن تنفعهم، وقد أعلن البحر غضبه، خطواته الواسعة لن تنفعه وهو يهوي من أعلى الهضبة إلى حيث النيران تمد ألسنتها لتلتقم كلَّ شيء، لن ينقذهن، ولن ينقذ نفسه... 
وكأنه أوان الغرق في اليم وأنَّى له بالسلال!

الدوار... الدوار يشعره بالغثيان إنه دوار البحر، ودوار البر، ودوار اللعنة، ودوار كلّ التجارب الضحلة التي يدور في فلكها الضيق...وتبقى صرخته المكتومة التي لم يتعلم غيرها.

إنه فقه الصرخة... التي لم يظهر أيٌّ من أبطالها على قدر المعاناة ..

كلٌّ يدفعُ ليُحمل على سفينة نوح التي يبتلعها وحش النهاية ...

والنواح يعلو، والنساء، والصرخات، والأجساد كلها شيء تافه، تلقى من فوهة المدفع إلى ما يسمى النجاة ولكن على كف عفريت...

حيث لا ثمن للأرواح فليس للميت أن يطالب بفواتير .

وحوش البحر كلها تبحث عن طُعم مجاني أكثر دسما يدعى قوت اللاجئ ...

جواز سفر منتهي...
وفرص للحياة المضنية ضئيلة...
لأنه أجبن من أن يواجه عدوه ..
أجبن من أن يستقيم أمره بالحق والعدل...

كلمات أمّه وهي تتحسر على الماضي، وأخواته الثلاث، تعزف أنشودة الوداع الأخير، وهو يدور في دوامة ثم يختفي. 

شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء