وسام عثمان - american made بين الحقيقة والخداع



بقلم : وسام عثمان 

فيلم بعنوان  american made و تعني  (أمريكي الصنع)  أو(صناعة أمريكية)  هو إنتاج الولايات المتحدة الأمريكية  2017 من تأليف جاري سبينيللي، إخراج دوج ليمان، بطولة  توم كروز (باري ستيل)، دومنال جليسون (مونتي شافر)، سارة رايت (لوسي ستيل)، تصوير سيزار شارلون، موسيقى كريستوف بيك، ديكور كيلي بارني.

تم عرضه  في مصر أغسطس 2017 تصنيفه إثارة وتشويق لكنه ليس  كذلك فلم أجد حقائق تم إخفائها طوال الفيلم لتظهر تدريجياً ولا يوجد ما يجعلك  كمشاهد في حالة تحفز وتركيز فالفيلم تشاهده وأنت هادئ الطباع مُبتسم مُستمتع بما تشاهده وكل مايربطه بالإثارة والتشويق هو أنه قصة لطيارأمريكي جندته المخابرت الأمريكيية  وعمل أيضاً مع مافيا المخدرات ليس إلاَّ.

توقفت في هذا الفيلم عند أربع نقاط رئيسية تؤكد معنى واحد ، أولها هو إسم الفيلم (أمريكي الصنع ) ليعطيك شعوراً أن ما ستشاهده  ما هو إلا مُنتج أمريكي الصنع ، الثانية هي ثاني ماظهر على الشاشة وهي جملة (الفيلم مُستوحى من قصة حقيقية) ليجعلك مُهيأ أن تقتنع بأحداث الفيلم  فقد قيل لك أنها حقيقية ، أما ثالث هذه النقاط هي فكرة الفيلم حيث تقوم على الدور الأمريكي في صياغة الحياة للبشر وإدراتها مُجريات الأمور في العالم والتحكم فيه والتي عبّر عنها المخرج من خلال نوعية أفلام الإرتداد الزمني (الفلاش باك) وهي من الأفلام التي من السهل أن تجد بها ثغرات وأخطاء  عند الإنتقال بين  الزمنين، ولكنه لم يحدث في هذا الفيلم ويرجع ذلك لسببين الأول أن المدة الزمنية التي تدور فيها أحداث الفيلم لاتتعدى الثماني سنوات من  1978 وحتى 1986 وهي فترة قصيرة جداً و المتغيرات في الحياة  تكاد تكون منعدمة ، ما سهل على المخرج التنقل بين السنوات دون أخطاء ، و الثاني هو أن  لحظات الفلاش باك  في هذا الفيلم  جاءت  في صورة تسجيلات فيديو يقوم بها البطل وهو يحكي قصته وهي بالتالي ليس بها أي أحداث  من الأساس قد تولد الخطأ.

قام المؤلف بالتعبير عن هذه الفكرة من خلال قيام الطيار العميل  بتصوير معسكرات المتمردين في دول أمريكا الوسطى للقضاء عليها وما أن خرجت الأمور عن السيطرة على المتمردين ووصل بعضٍ منهم للحكم قامت السياسة الأمريكية بالترحيب بهم ومساعدتهم بل ومساعدة الباقي في البلدان الأخرى ممن لم يصلوا للحكم بدلاً من محاربتهم !!.

وفي حواربين البطل وضابط المخابرات عندما طلب الأول المال فإذ بالآخر يرد ويقول له ستجد الوسيلة وكأنه يعرف أن الطيار سيلجأ  الى مساعدة مافيا المخدرات في كولومبيا  لتوصيل بضاعتهم الى أمريكا بمقابل مادي في إشارة واضحة أن الغاية تُبرر الوسيلة وأن المال والسلاح والمخدرات عنواناً لسياسة واحدة . 

عبر أحداث الفيلم ينكشف أمر الطيار فتقوم المخابرات بالتخلص بأي شيئ يربطها بهذا الأمر ، ويلتقطه البيت الأبيض للعمل لحسابه  بنفس المهمة  بل زاد عليها إستقدام  (الثوار) كما سموهم حرفياً في الفيلم إلي أمريكا لتدريبهم وإعادتهم لبلادهم للحصول على  (الديموقراطية  ) كما سموها حرفياً  أيضاً !

علاقة البطل بأسرته وضحت أنها قوية خاصة زوجته  التي تبحث عن الإستقرار، وعندما شكّت في زوجها فقدم لها المال وقال لها كلمة السر أنه يعمل لصالح ال ( سي أي إيه ) لم تنفر من مشاهدة السلاح والمال  والمخدرات ، فهذا كله يهون أمام توفر المال الذي يأتي من خدمة الوطن !!! ذلك المال الوفير بغباء والذي أصر المخرج أن يُظهره أنه بلا حدود لتوضيح أن اللعب في هذه المناطق دائماً ما يجني أموالا طائلة !

لم يُقدم الفيلم جديداً في عرض إسلوب الإدارة الامريكية للسياسات الداخلية والخارجية لها فهي تصنع ما تراه في مصلحتها فقط بإستخدام أدوات سواء كانت دول أو أشخاص وما أن أنتهت المهمة بالنجاح أو بالفشل أو  حتى إنكشفت تقوم بالتخلص من هذه الأدوات وتنظيف علاقتها بها .

 بينما قدم الكثير في فنيات الفيلم حيث كان التصوير و الديكور  لتلك  المَشاهد الخاصة بالطيران  أكثر من رائع وواقعي  ، وبه تمكُن من أدواتهم حيث تشعُر  كأنك تشاهد بسلاسة سيارات عادية في الشارع أو مشاه يعبرون الطريق وليست طائرات في الجو ، الموسيقى التصويرية المستخدمة طوال الفيلم أدخلتك دون أن تشعر وبلا تكلف إلى عالم الروك والراب وموسيقى تلك الفترة ، وأداء الممثليين الذي لم يتركوا حتى إسلوب السير والخطوات التي تعبر بكل وضوح عن  طريقة ( المشي ) في تلك الفترة ، وعنصر الملابس الذي لم يتم إغفاله وكان بدون أخطاء في التفاصيل مع تنوع الثقافات والبيئات ، وقدرة المخرج على الربط بين كل هذه العناصر  كي يجعلك تعيش عالم نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات بكل قوة ، وبصمته الشخصية في الربط الرائع بين خطابات ريجان وأحداث الفيلم  لدرجة تصل إنك تنتظربكل إقتناع  خروج توم كروز مع ريجان في مشهد واحد ، بل توظيفه لهذه الخطابات وغيرها من الأحداث الحقيقية في سياق الفيلم كان أجمل ما في الفيلم ،  وقدرته على إستخدام تقنيات فنيه عالية تعطي تحكم في الصورة وألوانها لتبدو تماماً وكأنك تشاهد فيلم  هو في الأصل من إنتاج الثمانينيات .

السؤال هنا هل جملة ( مستوحاة من قصة حقيقية )  في أول الفيلم الغرض منها أننا نعرف أنها حقاً فعلت ذلك أم أننا نعرف أنها دائما تفعل ذلك ؟!!

النقطة الرابعة هو مشهد النهاية بعد قتل البطل انتهى الفيلم على كادر زووم  لزوجته بعد أن إستقرت في إحدى الولايات وهي تعمل في إحدى محلات الأكل السريع الأمريكية وتقدم الأكل بيدها التي كانت تحمل إحدى الأساور الرائعة باهظة الثمن والتي إشتراها لها زوجها من أموال عمله التي تحصّل عليها من السلاح والمخدرات والسياسة وخلافه ... وكأن اللقطة تقول أن كل ما نقدمه لك حتى البيتزا والبورجر نقدمه لك في صورة  يد تبدو ناعمة لكنها تحمل عليها زينة ملوثة بكل ما هو خارج عن القانون فهذا كله  هو (أمريكي الصنع ) .


الإبتساماتإخفاء