الشاعر عبد المنعم الأمير "نينوى مدينة الشمس لا يليق بها الظلام"



حاوره: عمر الصالح 
       الموصل -العراق

دهمته الشمس بأشعتها السوداء، لتسكبَ ظلّه على الرصيف جسدا بلا رأس، وهو يتحسّس طريقه هارباً من غابة الرؤوس التي تمتد على مساحة شاسعة من الأطفال والآباء والأمهات، كتبها في   احدى روايته (فارابا) عندما كان شاهداً على فعلته خفافيش الظلام بمدينته نينوى. إنه الشاعر  عبد المنعم الأمير الذي ولد فيها عام 1970، ونشر أولى قصائده في عدد من الصحف والمجلات العراقية والعربية مطلع تسعينيات القرن الماضي، شارك في العديد من المهرجانات والمسابقات الشعرية منها (أمير الشعراء) الذي بثت من على قناة أبوظبي.

وللأمير عدة إصدارت، منها:  
- نقوش على وجنة البيبون، مجموعة شعرية مشتركة، مكتبة المتنبي، الموصل، 2002
- تعرت فانشطر الليل، شعر، دار افريقية، تونس، 2010
- ما سقط سهوا من ذاكرة الحلم، شعر، مكتبة الجيل العربي، الموصل، 2011
- وحده كان، شعر، اكاديمية الشعر، ابو ظبي، 2014.
- فارابا، رواية، دار غيداء للنشر والتوزيع، الاردن، 2017
- صوت أسمر، مجموعة شعرية، مخطوطة.

*من أين بدأ ولعك بالشعر؟ بمن تأثرت من الشعراء في بداياتك؟
** لا أذكر متى بالضبط، ما أذكره ان النجوم انسفحت شلالات ضوء، والعصافير حطت على راحتي حين كتبت أول بيت غزل في رسالة أرسلتها لابنة الجيران التي تعودت المرور على أنامل لهفتي في طريقها الى المدرسة.. كبرنا وتزوجت ابنة الجيران وظلت القصيدة وفية، تداعب قلبي وترتب أحلامي على بياض الورقة..
الكلام عن التأثر والتأثير اصبح مملاً ولا أستسيغه، لكني سأقول ان لنزار قباني فضل على كل من جاء بعده من الشعراء، فليس منهم الا وقلده، ولولا شعر نزار لهجر الكثير من أطيار الشعر واحته ولم ينتبهوا لهذا الطائر الجميل الذي ينقر قلوبهم ويحملهم على جناح الدهشة والحلم.

*متى يقف الشاعر  على دهاليز الذاكرة؟ هل الأوجاع من تقول ابياته؟.
** منذ أول حرف، أحمق من يتصور ان أعمال الشاعر أو الكاتب لا تمثل حياته، أو هي بعيدة عنه، كانوا يقولون ان القصائد بنات الشاعر، فكيف للبنت الا تأخذ من صفات ابيها الوراثية؟
ليس بالضرورة ان تعبر عن الاوجاع، لكن حتما لها مكان (اعني الاوجاع) كما الفرح والسعادة والحب والكره والغضب والرضى، ان القصيدة حين تفرض نفسها على كاتبها تفلي مكنونات نفسه وتنهل منها.. انها تعري روحه امام القارئ، والشاعر الذي لا تنهل قصائده من حياته وتجربته الذاتية شاعر منافق.

* ماذا يعتله الشاعر في محراب الشعر؟ وما هي الافكار التي تراود مخيلته؟
** القصيدة أنثى معتدة بنفسها الى حد الغرور، لا تعطي نفسها الا حين تشاء.. وحين يحاول الشاعر ان يجرها جرا الى سرير الحب سيخسرها حتما، وسينجب جنينا هلامياً يمكن ان يكون أي شيء لكنه لن يكون شعراً. لذا أترك لها اختيار الزمان والمكان المناسبين، وحين تأتيني راغبة اتفرغ لها تماماً فهي لا تحب الضرائر؛ ولأنها معتدة بنفسها الى حد الغرور ومتسلطة جداً، لا تسمح لي أن أفرض عليها زمان ومكان اللقاء فحسب بل انها تغير سيناريو اللقاء الذي أضعه حسب أهوائها ورغباتها، فحين أريد كتابة قصيدة عن الوطن تخاتلني القصيدة فتحول مسارها الى جهة أخرى كأن تكون قصيدة حب. القصيدة  مزاجية جدا فلا (متى) في قاموس القصيدة، ولا (اين) تأتي حين تريد وتذهب حين تريد، تغازل شاعرها حين ترغب وتنصرف عنه حين ترغب..

*المرأة قلعة كبيرة اذا سقط قلبها سقطت معه. ما المكانة التي تحتلها المرأة في قصائدك؟ هل هناك تفرد في كتابتك عن المرأة؟

** أسخر ممن يقول ان المرأة نصف المجتمع، كيف؟ أليست الحياة أنثى؟ إنها الحياة يا صديقي، ولأنني وجدت نفسي صدفة على هامش الحياة، كرست كل شعري لها، محاولاً التسلل الى قلبها برعشة حب. 
يقول نزار (القصيدة أنثى).. والوردة انثى.. الا ترى؟ كل شيء جميل أنثى.. وانا أحب الجمال ولا أكتب الا عنه..
الذكور منتجو المآسي ومشعلو الحروب ووقودها، الذكور افسدوا في الارض وسفكوا الدماء، الذكور ارتكبوا مجازر في كل بقعة على الارض.. من ألقى القنبلة النووية على هيروشيما ذكر، ومن ارتكب الابادة الجماعية بحق الهنود الحمر ذكر، و... ان اردنا ان نعد المجازر التي ارتكبها الذكور لن نحصيها، الا ترى ان الاديان اتفقت على ان هنالك ملائكة وشياطين؟..

* وحدي وحلم في سكون الليل يستجدي اتصالك.. ما الاتصال الذي كنت تحاول اجراؤه؟
** اتصال مع الحياة، هذا نص فايسبوكي بامتياز، جاء صدفة، بعد مرحلة توهان، حاولت فيه اقتناص حالة شعورية محددة، لرجل ينتظر حبيبته خلف شاشة المحمول، بينما يشاكسه النت فينقطع مرة ويعود مرة، وهو يتقلب على جمر الانتظار.. تنهشه الوساوس والشك والغيرة..

* منذ أعوام كانت لك مشاركة في برنامج أمير الشعراء، ما الذي اضافته هذه المشاركة على نتاجك الشعري؟
** ان برنامج أمير الشعراء قدم خدمة اعلامية كبيرة لمن شارك فيه من الشعراء، واختصر لهم أعماراً من العمل، وبسرعة ضوئية، استطاع ان يدخلهم الى بيوت ملايين المتابعين فضلاً عن انه وضعهم وجها لوجه امام النقد، الذي أضاء زوايا قد تكون معتمة على المتلقي في قصائدهم، وناقش قصائدهم برؤية عارفة على ايدي نقاد كبار..

برنامج امير الشعراء كحال الملتقيات الثقافية الأخرى، فرصة للاطلاع على تجارب شعرية وثقافية مختلفة، يمكن ان يفاد منها الشاعر في اغناء تجربته الشخصية ومعرفة المساحة التي يشتغل عليها الاخرون ومحاولة تجاوزها.

* ثلاث سنوات ونينوى في ظلمة سوداء، ماالذي تركه هذا الغياب على المشهد الأدبي والثقافي؟
** نينوى مدينة الشمس لا يليق بها الظﻻم، لذا حين دهمها الليل اغمضت الشمس عينها وصار الظﻻم سرمدا..
لكن الظﻻم لم يستطع ان يكمم نور الفكر فيها، فقد اشعل أدباؤها ومثقفوها الف شمعة وقدموا للانسان عقولهم في شتى المجالات الفكرية والثقافية والعلمية وليس ادل على ذلك من عشرات بل مئات الاصدارات التي اضافت للمكتبة العربية الكثير. 
كنا نرد على حرق مكتبة في الموصل باصدار كتاب.. لذا لم تتوقف عجلة مثقفي الموصل بل ظلت تدور رغم خطورة الامر وهم يرزحون تحت حكم وصولي متطرف.

* الشاعر هو  الآخر مؤثق للأحداث من خلال قصائده، ماالذي قلته عن نينوى طيلة فترة أزمتها؟
نعم الشاعر والأديب في الموصل ارخ لمرحلة الظﻻم الداعشي في كثير من المساهمات الفكرية والثقافية على مستوى العالم..
وعني شاركت في معرض اربيل الدولي للكتاب عام 2017 بورقة كشفت بها ما شاهدته من ممارسات لا انسانية داعشية ضد الانسان الموصلي.. كما انني خرجت الى النور بعد سنتين ونصف من الظﻻم بمجموعة شعرية هي (صوت اسمر) جل قصائدها عن مرحلة داعش.. ورواية (فارابا) التي دونت فيها بطريقة فنتازية ما شاهدته ليس خلال فترة داعش فقط انما الاسباب التي اوجدتها أو ساعدت على ايجادها قبل سنوات كثيرة.

*انت رئيس الهيئة الادارية لاتحاد ادباء نينوى، ماهي المشاريع المستقبلية للاتحاد؟ وهل هناك اصدارات جديدة للاتحاد؟
** ان كنت تريد الكلام عن الاحلام، فمشاريعنا المستقبلية تسع الارض والسماوات، وان كنت تريد الكلام عن الواقع، فاقول لك اننا مصدومون حقا. كن نتصور ان الاعصار الذي عصف بالمدينة واهلها سيعيد العقل الى رؤوس سياسيي المدينة.. اذا صحت تسميتهم سياسيين..
انهم هم السبب في كل ما حدث.. لانهم منشغلون بالمكاسب الشخصية على حساب الإنسان الموصلي.. سرقوا وزوروا واحرقوا وسلموا المدينة بتاريخها وحاضرها ومستقبلها لداعش وراحوا في اجازة لثلاث سنوات في مصايف كردستان.. وعادوا الان ليعوضوا ما فاتهم خلال سني الإجازة. 
بينما الانسان الموصلي الذي ظل في مدينته ولم يتركها للغرباء ظل مقموعا ومنبوذا.. ومنهم المثقف الموصلي..

قلت لك حين هرب السياسيون الى كردستان كنا في الموصل نكتب ونوثق ونخفي ما نكتبه في رمل الحديقة او خلف مفاتيح الكهرباء بعد نسخه على ذاكرة الكترونية صغيرة.. حين كانت داعش تحرق مكتبات الموصل اتفقنا في اتحاد الادباء مع دار غيداء في الاردن وطبعنا عدة عناوين..
والان عاد الهاربون من الاجازة ليقرروا ان اتحاد الادباء لا يستحق مقرا..

انهم ضد الثقافة ويعملون على اشاعة الجهل لان الجهل هو الوحيد الذي يرضى بالفساد والمحاصصة والطائفية التي تساعد على وجودهم وبقائهم متنعمين بمكاسبهم..
انهم يعلمون بعريهم امام الثقافة لهذا يحاربونها.. لكننا سنظل نعمل وسنسلط على الفاسدين ضوء الحقيقة لتعريتهم امام المواطن الموصلي، اما عن الاصدارات فقد بدأنا الان بتفعيل مشروعنا وبدأنا باصدار رواية الزميل نوزت شمدين (سقوط سرداب) وستتوالى الاصدارات عن اتحاد ادباء نينوى خدمة للثقافة والمثقفين في مدينتنا الجميلة.

شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء