نهى الشاذلي - التعدي على حق الإنسان في الصمت




بقلم: نهى الشاذلي

من ذا الذي يمكنه أن يكشف سرّ نفس إنسانيّة تسكن خلف جدار الجسد؟ مهما ظهر لك من تصرفات وأفعال الناس من حولك، ومهما كانوا قريبين جدًّا منك، وإذا كانت المسافة بينك وبينهم لا تتعدّى المتر الواحد، فأنت قطعًا لن تستطيع أن تعرف ما في أنفسهم، وما يشعرون به بشكل دقيق، وما يفكّرون فيه على وجه التحديد. لا تظنّ أن لديك ذكاء اجتماعي يجعلك تعرف عنهم أكثر مما يسمحون لك بمعرفته. نعم، يمكنك أن تقول أن فلانًا تعيس اليوم، أو سعيد اليوم، أو قلِق، أو مهموم.. إلخ. ولكنك لن تتمكن أبدًا من معرفة الحقيقة كلّها. هو أيضًا، هل تصدّق؟، لا يمكنه أحيانًا كثيرة، أن يعرف حقيقة شعوره كاملة. فكيف ستدّعي أنك تعرفها أنت؟!

أحيانًا كثيرة، يقف الإنسان أمام مرآة روحه عاجزًا عن فكّ طلاسمها. يتساءل: لماذا أنا حزين؟ ما الذي أريده بالتحديد؟ ما الذي حدث جعل صدري يضيق؟ ويحاول محاولات فاشلة أن يتذكر موقفًا قد عكّر مزاجه، أو هدفًا فشل في أن يصل إليه، أو موقف أثار حفيظته، ولكنه يجد أن لا جديد قد حدث، وأن حياته كما هي لم تتغير. إحساسه هو الذي تغيّر. لماذا؟ هو لا يعرف. وهذه تكون بمثابة مشكلة كبيرة بالنسبة إليه. 

أحيانًا يحتاج الإنسان أن ينطوي على ذاته. يعود إلى عالمه الخاص الانعزالي بعيدًا عن ثرثرات الناس وصخبهم. يبتعد عن الجميع ويختلي بنفسه؛ ليبحث عن معنى لوجوده، وعن أسباب موته غير الفيزيائي، وعن كيفية استرجاع حياته المنتهية، وعن آمال جديدة تنعش روحه، وعن حياه يفتقدها عالمه الميّت المتوقف عن الدوران. ولكن الناس لا تتفهم ذلك أبدًا.

رغم أن كل إنسان يمرّ بتجربة مماثلة، ويلجأ أحيانًا إلى العزلة، لا يحترم هذا الإنسان أبدًا حقّ غيره من الناس في الانعزال والصمت.

إذا صمتت، وانعزلت، وجدت الناس يحثونك على الثرثرة، وإذا لم تتجاوب، هاجموك ونعتوك بما ليس فيك، ورأوك بعين أرواحهم لا بعين روحك أنت. 

نحن نعيش في عالم ثرثار، فوضوي، صاخب، ومريض.. هذا العالم يتغذّى على الكلام. الناس يثرثرون، يتكلمون، ويستمتعون بالكلام عن التفاهات، وعن الناس، وعن أحوال الناس، وعن انتقاد الناس. الناس لا تكف ألسنتهم عن الكلام، والصامت يُرجَم باللغو، ويُنتهَك حقّه في أخذ مساحة ضئيلة تسمح لأذنه ألا تتسرب إليها الصخب والأصوات. ستظل صامتًا، ولكنك ستعاني مما تسمع. لن يجدي أن تسد أذنيك بكلتا كفيك، وستكون هناك محاولات مستميتة لاستدراجك إلى اللغو والثرثرة. لا تستجِب. بل لا تسمع. اختار ألا تسمع دون الحاجة لأن تسد أذنيك، وهذا صعب، ولكنه ممكن. 

هؤلاء الذين يتعدّون على حقّ الناس في الصمت، فيزعجونهم برسائل الكترونية واتصالات هاتفية ولوم دائم أنانيّون حقًا. يحبون أنفسهم لدرجة أنهم لا يستطيعون أن يشعروا بغيرهم. يحبون أنفسهم فيعطونها حق الصمت إذا احتاجوا لذلك، ولكنهم أبدًا لن يسامحوك على صمتك الغريب غير المبرر! سيطالبونك بتبريرات. إياك أن تبرر. لن تقنعهم تبريراتك أيًا كانت؛ لأنهم اتخذوا قرار مسبق ألا يعذرونك. فقط اتركهم يثرثرون، واختلي بنفسك لعلّك تجدها. حقّ الصمت يجب أن يكون مكفولًا للجميع، ويجب ألا يُنتَهَك بهمجيّة، وفي بلادنا وبثقافتنا، كل ما هو واجب، غير قابل الحدوث.

شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء