محمد مهاود - المجذوب




 محمد مهاود


تحت سماء حارة الخوخة ، وفى منطقة الحطابة بالقلعة جلس خالد بشعره الأشعث المتجعد ، يحمل بين ثناياه مخلوقات لا حصر لها مع جزء لا بأس به من الطين المجفف أثر نومه على ارض الحاره بلا وساده ، وجه معفر ، شارب ولحيه كثه سوداء اللون بها بعض الشعيرات البيضاء التى تجمعت فرسمت خطوطاً طوليه رفيعه ، ملابس ممزقة مهترئه فى أماكن شتى ، تنافسها رقع محاكه فى مناطق اخرى من قماش مختلف الوانه وخيوط بارزة ، بنطال قصير مموه يعلوه بالطو يشبه بالطو جنرالات الحروب ولكن الفارق ان بالطو خالد من مخلفات الحرب .
جلس يأكل قصب السكر ويتلذذ بالعصارة التى يمضغها فيمتصها  فيتساقط على لحيته عصيرها ومن ثم على صدره فيمتزج بعرقة مكونين خليطاً لزجاً تتكاثر عليه الذباب ، يقبع بجانبه كلبه الصغير غير مكترث بما يفعل صاحبه المجذوب ،  تتساقط حبات العرق من جبينه من شدة الحرارة فى فصل الصيف ، فيهرع الكلب لاستكمال قسط الراحة فى ظلال الشجرة العملاقة على ناصية الحارة ، وكأنه يرشد سيده الى مكان الظل فينبهه  فيغادر المجذوب ويحتمى بظلال الشجرة بعيداً عن السعير الملتهب خارج ظلالها  ، فيضحك فجأة ويملئ وجهه العابث ابتسامة واسعة تظهر معها اسنانه السوداء ، وكأنة دخل للتو الجنة ، ثم سرعان ما يزول معه مرحه المفاجئ ويعود له عبوثه المعهود وربما يبكى بحرقة وتنسال دموعه الساخنة وكأنه قذف فى نار جهنم .
أصبح خالد المجذوب جزء من الحارة لا ينفصل عنها وعن هويتها ، فهو لا يسبب لأهللها الأزعاج مطلقا ً ، سوى مرة واحدة عندما دلف الى منزل عم ياسين الترزى فى غفوة من أهله وأختبئ تحت السرير النحاسى الكبير زى المخملية البيضاء الموجود فى غرفة النوم ، أختبئ يوماً كاملاً ولم يكتشف أحد وجوده الا الست أم محمود زوجة عم ياسين الترزى عندما دلفت لغرفتها وقد أنتهت من نشر كومة من الغسيل كالجبل ، فأنهكتها حرارة الجو على سطح المنزل وتبللت ملابسها ، فرغبت فى الاستحمام ، تجردت من ملابسها ثم القتها على الارض بلا أهتمام فما كان من خالد الا انه التقط ملابسها وكأنه يلتقط ثمار اينعت من على شجرة مثمرة وحان وقت قطفها وجمعها ، ثم احتضنها وانتابته هاله من الضحك عندما رأى الست أم محمود عارية بجسدها المكتظ المترهل ، تعالى صراخها وأنطلقت تعدو عارية فى المنزل ، وتجمع أهل الحى على تلك الحادثة ، وقد نال خالد من عم ياسين وولده محمود قسطاً مبرحاً من الضرب ، لم يشفع له ولم ينقذه من بين أيديهم سوى انه مجذوب .  
كان كثيرا ً ما يُحدث نفسه بحوارات غير مفهومة وبصوت مرتفع ، ويحدث كلبه بأشياء وذكريات كثيرة غير مترابطة ، كلبه هو أحد أصدقائه فكلاب الحارة كثر ولكن هذا الكلب الصغير الأبيض الهزيل ذو الزيل القصير هو صديقة المفضل ، يتبعه أينما ذهب ، يتواثبان فى الليل عندما تفرغ الحارة من الماره ، ويتثائبون بالضحى وينامون نهاراً معا ً تحت الشجرة الكبيرة على ناصية الحارة ، لا يفترقان الا عندما يتجمع اطفال الحارة ويقزفونهم بالحجارة الصغيرة ، يمرحون عندما يقفز خالد من على الارض وكان ارض الحارة قد تحولت الى جمرة من لهب فيهرول محتميا ً بالشجرة الكبيرة بينما يعدو كلبه الصغير مبتعداً مختبئاً فى المدرسة القديمة التى لا تغلق أبوابها حتى فى العطلات السنوية .
فى يوم من الايام الساخنة وقد أنتصفت الشمس فى كبد السماء ، أشتد قيظ الهواء وقد شعر خالد بأشتعال البالطو السميك الذى يرتديه ليل نهار فى الشتاء والصيف ، فنزعه من عليه بعنف والقاه فى الارض وكانه يطرح عدو لدود قد تخلص منه للتو ، ولكنه لم يشعر الا بالعرق المحبوس ينسال على كتفيه ، فتجرد من باقى ملابسه دفعه واحده ، وحمل كلبه وأنطلق يعدو فى الحارة عاريا ً حتى وصل الى الحنفية العمومية التى فى أعلى الحارة بالمقربة من الجبل ، وفتحها فأشتد مائها وجلس أسفلها ، أنسابت المياة على جسده حتى امتزجت المياه بالتراب وطبقات الطين الجافة والتى تقشرت من على جلدة حتى بدأ يظهر لون جلده الحقيقى ، فازاحت عبث سنين بخلايا جسده ، وهربت حشرات من لحيته لم يراها من قبل ، وتناثرت المياه هنا وهناك وسط ضحكاته المجلجلة وصخب الأطفال الذين يتواثبون من حوله ينشدون بمرح : العبيط أهو أهو 
وسط ذهول المارة من الرجال الذين لعنوه بالكثير من الشتائم ، وخجل السيدات الاتى توارين جانباً حتى لا يشاهدون رجلاً عارياً بينما وقفت أخريات ينظرون من وراء حجاب ، وأرتسمت على شفاههن أبتسامة خبيثة .
أختلف أهل الحارة على خالد المجذوب ، فمنهم من قال أنه من الصعيد وقد نزح الى القاهرة مع أمه ولداً وحيداً معاقاً ذهنياً فتوفيت وتركته بلا مأوى ، بينما يقول البعض الاخر ومنهم أكابر الحارة أن خالد المجذوب كان جنديا ً فى الجيش وقع فى الأسر وقت الحرب وتعرض للتعذيب مما أذهب عقله بلا رجعه ، أما شيخ الحارة فيؤكد أنه من أعيان الاسكندرية الذين هبطوا الى القاهرة ليستثمر أمواله ولكنه خسرها كلها دفعة واحده فى لعب الميسر مما أذهب رجاحة عقله ، بينما يقول عم حكم البلطجى الشهير أنه قد غازل أمرأة متزوجة فضربه زوجها حتى أصطدمت رأسه بجزع شجرة أودت به الى ما ال اليه من جنون ، أختلفت الأحاديث والروايات ولا يوجد سند ولا دليل ، فلا يعلم رواية خالد المجذوب الا الله وخالد نفسه .
جلس خالد المجذوب تحت شرفتها ليلاً متكئاً على حجر كبير على جانب الطريق يستند على حائط المنزل المقابل ، جال فى خاطره ذكريات منذ امد بعيد ، تذكر عندما كان يحلم أن يصبح ضابطاً يحمى عرين الوطن من الأعداء وكيف أجتهد ليلتحق بالكلية الحربية ، كيف كانت وسامته تتحاكى عنها فتيات حارته ، كان يقطن بحاره عم حربى بمنطقة الاتحاد الاشتراكى بمصر القديمة ، تذكرالطريق الذى كان يسلكه كل يوم من مدرسته الى المنزل ، ماراً بحارة الخوخة ، لم يكترث لفتاة قط ، ولا لتلميحاتهن المتلاحقة ، فقد كان تركيزة كله فى انهاء دراسته الثانوية والألتحاق بالكلية الحربية ، الا فى يوم ما ، لم يُمحى من فؤاده أثاره حتى الأن ، عندما رأها تطل من شرفتها فى حارة الخوخة ، ذلك الملاك الذى ينتحل هيئة البشر ، ذو الشعر الكستنائى الناعم وضفائرها ، فرأسها كالارض التى كثرت خمائلها ، عينان عسليتان وبشرة خمرية لا شرقية ولا غربية عوان بين ذلك ، أشرقت معها سمائه عندما فتر ثغرها عن أبتسامه خاطفة فظهر سنها فأحدث برقاً فى عينيه ووميضا ً سريعا ً ثم أختفى ، أصبح فى بين ليلة وضحاها من مجاذيب حسنها ودلالها وفتنتها .
داعبت يده رأس كلبه الأجرب ، الأبيض ، ذو الزيل القصير ، وكأنما يداعب حبيبته عندما تقابلا لأول مرة  تحت شجرة الزيزفون فى حديقة الأسماك ، وأهدى لها باقة من الزهور البيضاء الصغيرة ذو الرائحة العطرة ، فتلامست أناملهم عندما أخذت الزهور فأبتسمت ، فملأ صدره من عبق انفاسها وترسخت لمستها على جدار قلبه كنقش فرعونى على احد احجار المعابد القديمة ، كان يمر كل ليلة من تحت شرفتها ولايبرح مكانه حتى تنظر له وتقذف له خطابا ً كان ، او ورده ، أو حتى نظرة تحمل الكثير من المعانى ، ولكن ككل شئ فى الدنيا ، له بداية و له نهاية .
أعتصرت يده زيل كلبه الهزيل الذى صرخ محدثا ً ضجة ، فالقاه جانبا ًعندما تذكر خالد أن حبيبته أسمها ساره ، تلك اليهودية المصرية ، التى عزمت أسرتها الرحيل عن مصر بعد النكسة ، فتذكر دموعها وهى تودعه بيد مرتعشة وأطراف بارده وقد حملت حقيبتها ، فصعدت على متن السفينة المغادرة وهى تلوح له بيديها متمنيه البقاء وعلى وعد باللقاء .
أنجذب خالد لها وأنجذ بها حتى أصبح مجذوب حارة الخوخة بعد رحيلها ، كما يقول الاطفال : خالد العبيط ، واستمر يجول الحارة من اعلاها الى ادناها يعيش على الفتات مما يجود به أهل الحاره ، فى عالم هو وحده يعيش فيه ، ملك متوج على عرشه ، يبيت كل ليله تحت شرفة منزلها المتهالك ، يخرج من بين طيات ملابسة المتسخه تلك القلادة الفضية اللامعه ذو القلب الازرق الكبير والتى كانت ترتديها كلما تقابلا ، وأهدتها له يوم الفراق ، على أمل اللقاء ، فعاش على ذلك الأمل حتى مات تحت شرفتها . 

شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء