حسام يحيي - أشياء لا تشترى





 حسام يحيي



وجهها أبيض ملائكي الابتسامة ،شعرها كستنائي، عيناها مكحلتان، تبدو من بعيد كأحد آلهة الرومان، أنفها دقيق، وشفتاها ككريزتين، تستند على عمود الآنارة الخافت، تنتظر من يأتي ليقلها إلى مقصدها .


تغرقني عيناها الزرقاوتان في محيطها، تعصف بقلبي ومشاعري، أشتهيها، أشتهي ثمارها الناضجة، تشد أعصابي، ترتخي، يرتخي جسدي، ترتخي رجولتي، يتردد صوتها القاسي بعقلي، يأتي من الماضي السحيق -:

إيه القرف ده يا أخي، قوم إلبس هدومك ، أنا مش عارفه إيه اللي بيحصلك مش كفاية مستحملة عجزك .
أطأطئ رأسي، وأنحني ذليلا، أرتدي ملابسي، أرحل مستندا على عكازي، أترك عالمها منكس الرأس، بعدما طردتني من عالمها .


يأتي صباح آخر وأنا وحدي، يغمر الحزن قلبي، يكسبني الطقس كآبة، تَبعث في قلبي السعادة، كلما رأيتُها صباحًا من نافذتي، التي تطل على المحطة ، يرتادها القليل من الركاب صباحًا ومساءً.


يعتلي وجهها الصارم نظرات الازدراء، تحتويني مشاعرها الباردة، ترد قلبي بعيدًا عنها، كلما تذكرت كلامها القاسي أتقزز، أهبط أرض الواقع، أستند على عكازي.


تك، تك، تك، شيء يطقطق بتلك الغرفة، لا أغادرها إلا لقضاء حاجتي، تتخلل الطقطقات عقلي، أغمض عيناي، أسترجع ذكريات مضت، اليوم أنتبهتُ إلى تلك الساعة فوق جدار الغرفة، هديتي الأولى لها، عشقتْ ساعة الحائط ذات البندول يومًا.

إنها الآن الحادية عشر، ما زالت ذات الشعر الكستنائي بمكانها، لا تتحرك، تشير إلى بعض سائقي الأجرة، تتجادل معهم ، تشتمهم ، يشتمونها، يتركونها، هل هي فرصتي الوحيدة لأقتنصها؟ تتقاذف الأفكار كإعصار يعصف بعقلي، أتخيلها ممدة أمامى كالنرجسات، تحيطني يداها الحانيتان، جسدها البض الأبيض الدافئ، أغمض عيني، أستجمع ما تبقى لي من شجاعة، أتجه إليها مستدعيًا ابتسامة من الماضي السحيق، أكاد أن أتذكر الأخرى، فيسرقني وجهها الملائكي .



الإبتساماتإخفاء