أية حسن - رائعة يوسف السباعى أرض النفاق و لما تفوز الروايات الخيالية دائما




بقلم: أية حسن


روايات يوسف السباعي الخيالية تقترب احيانا من اعمال ساراماجو سواء ارض النفاق او نائب عزرائيل ، نفس الخيال البعيد رغم قدم هذه الروايات الا ان الافكار صادمة و كأن لم يفكر بها احد من قبل رغم بساطتها الشديدة في التلاعب بالنفس البشرية ، غرض هذه الروايات و متعتها ايضا في كونها تضعنا اما الف سؤال مفتوح ، متعة الوقوف امام انسان في موضع جديد تماماً تنتظر منه فعلا يمثل اغلب الانسانية و تزن هذه الافعال بعقلك ايضا فتصبح طرفاً في اللعبة .


بطل الرواية كما يعرف الاغلب تبعا لشهرة الفيلم يجد دكاناً لبيع الاخلاق ، لا مبرر لوجود دكان مهجور بهذه القيمة فجأه لذا يضطرب البطل و يظنها مزحة ، و لتكملة المزحة يطلب الشجاعة ليجربها فمن لا يحب ان يصبح مغواراً مثل عنترة و يرد الاذى عن الناس و يتباهى بجرأته .


شجاعة


يتحول البطل الى شخصية شجاعة و لان الشجاعة مرتبطة في الاذهان بالمصارعين و الفتوات فأن التحول يأتى علي شكل شد في العضلات و تناسق ملحوظ في الجسد ، و لكن للاسف كانت هذه الشجاعة و حدها و فرحة البطل بها انسته عقلة فانطلق الى الشارع فرحاً بها لا يتباطأ في اظهار شجاعته ،

من الجميل ان يكون الانسان شجاعاُ و لكن ليس متهوراً ، صادف البطل العديد من المواقف المحرجة و المضحكة علي مدار اليوم انتهت بكونه مضروباً في كل مرة حتى اوشك ان يفقد جياته في نهاية اليوم


 “أيها الناس .. لا تحزنوا .. لا تحزنوا .. كيف تحزنون علي شىء .. وأنتم لا شىء .. فيم حزنكم .. وبعد لحظة أو لحظات ستضحون رمة لا تستطيع حتي أن تحزن ؟ أيها الناس، لا تحزنوا علي ما ضاع فأنت أنفسكم ضائعون.. كيف يحزن ضائع علي ضائع ؟.. وهالك علي هالك ؟.. وزائل علي زائل


مروءه

كالمستجير من الرمضاء بالنار

اثار الشجاعة لم تكن فعالة لذا اضطر الى استبدالها بالمروءه و اذا كانت الشجاعة جعلته متهور فان المروءه جعلته مغفل ، اكثر من موقف عادى ينقلب الي كارثة خسر المال ، الملابس و الكرامة و انقلب اليوم الى جحيم  سلسلة من الخدع فقط لانه اراد ان يساعد ، منطق الشخصية ذات المروءه العاليه كان ذو منهج خاطئ ، عند مقابله الفقير و يقرر اعطاءه كل ما يملك و هي خمسون جنيهاُ فانه يقارن هذه الخمسون بالاف اخرى تلقي تحت اقدام الراقصات و الفارق انه ليس هو من يدفع الالاف و لكنه من يقع في الافخاخ و يلقي بالجنيهات الى من لا يستحق ليكملوا عملهم علي مغفلين اخرين .


"إن هؤلاء البشر كلاب مسعورة، وأفاع رقط .. فإذا دفعتك مروءتك إلي أن تعطيهم إحسانا فاقذف به إليهم ثم اجر من أمامهم .. اعطهم الفضل وفر منهم .. لا تنتظر حتي مجرد الشكر .. انج بنفسك .. واذكر المثل .. اتق شر من أحسنت إليه "



بين الفضيلتين

لم يكن البطل هو المخطئ عندما اختار احدى الفضليتين بل كان المجتمع من حوله هو من حول الشجاعة الى رعونة و المروءه الى غفلة ، تصرفات البطل و ان كانت اندفاعية خالية من التفكير فهي ليست خاطئة بالكامل ، من يتوقع ان الشحاذ مقطوع الاطراف هو متدرب لئيم ؟

لا احد

بل الحقيقة ان الشقاء و التعاسة اصبحو منتشرين لدرجة خداع الناس بتسول ، و اصبح لدى الناس حجه لعدم مساعدتهم في الطرقات بل و النظر اليهم شرذً و اتهام كل من يساعدهم بالجنون و الغفلة بينما هم العقلاء يعلمون انها خدعة ،

و لا اعلم لما لم يلاحظ العقلاء ان تدبير التسول و اختلاط الحبل بالنابل لا يدل الا علي زيادة المعاناة لا قلة الفقراء .

بالنسبة الى الشجاعة يمكن تدبيرها باكثر من جهة يمكنك الوعظ ب ( خليك في حالك ) و ما الى ذلك من نصائح يغلب فيها الجبن و الخمول علي الانسان


“اخلاق , شجاعة , نزاهة , اخلاص ... هذه كلها اشياء موجودة فى نفوسكم

ولكنها راقدة فى غفوة لقد علاها الصدأ من طول الركود شىء واحد هو الذى

يحركها وهو ان تتبعوا باخلاص قول القائل "عامل الناس بما تحب ان يعاملوك به ”

  

و لان البطل كان مصاباً بداء الاخلاق كان كل ما يقابلة من احداث يخضع لعقل الحقيقة ، الجرائد ، الحكم ، الاحزاب ، الزواج و حماته .

مواقف كوميدية سوداء كثيرة ...

النهاية العظيمة بلد بلا نفاق

تخيل بلدة كاملة ذات اخلاق حميدة بلا نفاق او غش او خداع قد يبدو لدي البعض مثل الجنة ولكن ظهر العكس حيث لا اقنعة ولا رضا بل صدق كامل و مشاعر واضحة و علي لسان احد الابطال ( هل يطيق الرجل العيش مع زوجته دقيقة واحدة بلا نفاق) ، تنقلب الاحوال  و تتسارع و يتسبب قول الحق و الشجاعة و الصدق الى فساد الزواج و أصابة الحماوات بالسكتات القلبية !

تخيل النهاية فعلا صعب بلا نفاق كيف نتعامل مع المديرين و الشرطة و القضاء ، اذا ما حاجتنا الى ملايين المشاريع الاخلاقية الخداعة و قد اصبحنا بلداً بلا نفاق ، و وجد البطل نفسه في بلد منهار تماما لم يتعامل يوما بشفافية و وضوح   و يجاكم اولا بتهمة الاخلال بالامن ثم بتهمة اشد فظاعة و هى الانانية في الاخلاق


تنتهي الرواية و اثرها لا ينتهى مثل باقي الروايات الخيالية ، اعطى الكاتب مثلا بفضيلتين و ترك لنا الباب مفتوح بالاف التخيلات ، و قد بداءت بالفعل في تخيل كارثة الصدق و حاولت ان اجارى اسلوب الكاتب الساخر و محاكاه مايمكن ان يحدث في الضارع المصرى اذا اصبحنا نقول الصدق في كل المواقف !

لهذا التلاعب مع المخ سهل و متتع

تغير بعد الوقائع الصغيرة كيف يمكنه ان يقلب العالم ، لهذا مثلا نجحت رواية العمى ، لقد غير سارماجو معطى واحد و هو الابصار الى العتمة و اصبح لدينا عالم كامل يجب ان نتخيله في ثانية دون بصر ، كم هائل من التخيلات ليصبح الفرد فجأه في حالة من المتعة تدفعة لاكمال الرواية ليروى عطشة لمعرفة القصة و لكن بطريقة اكثر هدواءً و يبداء و ينتهى و بداخله اسئلة و مواقف كثيرة لا ينهيها و يبقي في حالة المتعة هذه لفترة طويلة .


لهذا دائما تنجح الروايات الخيالية , تنجح قصص الرعب المبتذلة احيانا لهذا السبب بينما تكتسح الروايات ذات الطابع الانسانى النفسي و تلقى نجاجاً مهولا تماماً مثل هذه الرواية لذا قيمتها بخمس نجوم من اصل خمس و ليس بالكثير و ربما يتهمنى البعض بالميل الى يوسف السباعى او لان اسلوب الكتابه سهل جدا و لكن هذا اهم عوامل نجاحها ، السخرية و السوداوية و التخيل ثلاث عناصر صعبة لوضعها منفردها و وضعها الكاتب في قالب واحد لذا اظل احترم يوسف السباعى دائما و ابداً كواحد من افضل الكتاب لدى .
  

" يا أهل النفاق !! تلك هى أرضكم .. و ذلك هو غرسكم .. ما فعلت سوى أن طفت بها و عرضت على سبيل العينة بعض ما بها .. فإن رأيتموه قبيحاً مشوها ، فلا تلومونى بل لوموا أنفسكم .. لوموا الأصل و لا تلوموا المرآة . 
أيها المنافقون !! هذه قصتكم ، و من كان منكم بلا نفاق فليرجمنى بحجر"


الإبتساماتإخفاء