نشوي الشافعي - ساندريللا نجد و الحجاز



بقلم: نشوي الشافعي

حينما كنت طفلـةً في التاسعة رحلت مع جدتي في رحـلة سياحية إلى ديزني لاند بفلوريدا، و كدت أن أطير فرحـاً حينما أهدتني جدتي مجموعــة قصص أميرات ديزني لقرائتها في أوقات الفراغ في الفندق، و بينمـا كنت اقرأ قصـة سـندريللا لجدتي، كانت هناك سيدة أمريكية تنصت إلينا دون أن ننتبه، و بدأت جدتي كعادتها تناقشني فيما قرأت و رأيت في ديزني، قلت لهـا أن سندريللا حقيقية! فقد رأيتها اليوم هنـاك، كم كانت ضحكتها رائعة! و كم كان فستانها أروع، و لكنني لم أر عربتها المسحـورة و لا الساحرة، و لم يكن الأمير جذابا كما في الحكاية!!!
ضحكت جدتي على هذا التقرير المفصل: ياحبيبة قلبي، كلام الحكايات كلام ليل مدهون بزبدة! يطلع عليه النهار يسيح!
ديزني شركة تجارية تهدف لترويج أعمالها من خلال خلق حياة كاملة تبدو مثالية لكم أيها الصغـار، هؤلاء الفتيات ما هن إلا عاملات يستيقظن مع الفجــر ليقمن بعمل الماكياج و الشعر و ارتداء زي الأميرات، و في آخر اليوم يعدن إلى بيوتهن حاملين العشاء ليجلسن بجانب أطفالهن يقـرأن لهم عن سندريللا الحكايات.
هنـا تدخل السيدة الأمريكية معرفةً عن نفسها:
مساء الخير، أنا دكتورة كاي ستون كاتبة و محللة نفسية، لفت نظري أنك تناقشين حفيدتك في واقعية القصة، و هذا هو صميم رسالة الدكتوراة التي أعمل عليها الآن.
فالغالبية العظمى لا تدرك خطـورة القصص الخيالية التي نحكيها لأطفالنا قبل النوم ، و كيف تشكل شخصيتهم و خيالاتهم في المستقبل.
ثم وجهت كلامها لي: قولي لي يـا صغيرتي: لماذا كنت تودين رؤية عربة السندريللا و الساحرة؟
قلت لها: لأن سندريللا هي الأميرة الوحيدة التي خرجت من منزل والدها في عربة مسحـورة! ولو أنهـا أخذت عربة والدها الحقيقية لما تعرضت للخوف عند عودتها بعد منتصف الليل، كانت القصة ستتغير لولا أن الساحرة لم تفكر في ذلك.
دكتور ستون: و لماذا كل هذا التركيز على العربة!
قلت لها: لأن الفتيات في السعودية لا يقدن السيارات و الكل يعتقد أننا سندريللات!
نظرت دكتور ستون إلى جدتي لتفهم أكثر، و التي بدورها، أضافت: من غير المصـرح للمرأة السعودية بقيادة المركبات بجميع الأنواع، و بما أن كل ممنوع مرغوب، تدور معظم أحلام الفتيات حول ذلك اليوم الذي ستأتي فيه الساحرة الطيبة و تحررها من سيطـرة زوجة الأب الظالمة، فتخرج بفستانها الحريري و حذائها الزجاجي إلى العالم و أحلامها المؤجلة دائما في جدول أعمال من يملك السيارة!
فضحكت دكتورة ستون: يوما ما يا صغيرتي ستقود سندريللات نجد و الحجاز السيارات و الطائرات و السفن، و ستدركن حينها أنهن لسن بحاجة إلى الساحرة لتحقيق ذلك! بل إلى عزيمتهن والتي ستكون حينها أقوى من عزيمة نساء السيفريجيت في لندن، اللواتي ربطن أنفسهن بأعمدة البرلمـان، و ألقين بأنفسهن تحت الخيول لتصـل مطابلهـن للملك جـورج فحصــلن على حقوقهن في التصويت و الترشح للبرلمان، فلا يضيع حـقٌ وراءه مطـالب مهمـا وقعـت في سبيل الحصول عليـه من ضحــايا.
و بالمقابل ستخرج السندريللا من بيتها لتكتشف أن الحذاء الزجاجي ليس عمليـا وقت القيادة، و أن الزوج و المجتمع قد منحها حقـا واحداً ليلقي على عاتقها في المقابل مسئوليات أكثر من مجـرد إيصال الأولاد إلى المدارس، وأن المدير في العمل غاضب و لن يقبل أنها تأخرت لأنها لم تجد من يوصلها إلى العمل، ستكتشف السندريللا أنها يجب أن تقتصد في ماكياجها و عطرها لتدفع أقساط شركة التأمين لسيارة إضافية و ثمن البنزين، يا ابنتي، "يوماً ما ستأتي الساحرة"  فإذا ما جائت الساحرة الطيبة فأرجـو أن تمنحكـن الحماية من شرور زوجة الأب و مكرهـا لأنها لن تغفر لكن كسر القيد.
و لنكتب لـ سندريللا نجـد و الحجــاز رسالة:
 أن قيادة السيارة ما هي إلا مرحلة .. فانتقالك أيتهـا الفاتنـة إلى حفلـة القصر بعربتك الخاصة ماهو إلا البداية.. والسؤال هنــا كيف ستكملين الأحداث و تسطِّرين كلمــات الحكاية؟
العــالم يــرقب.. و أقـلام النقــد حولــك تُشحــذ!
و إذا كـان لكـل جـواد و فــارسٍ كبــوة،
فكبــوة السندريللا ستكون بعشــرة.



* Kay Stone: كاتبة أمريكية تهتم بالفلكلور عملت في دراسات د.بيرن عن تأثير القصص الخيالية على الأطفال و أحلامهم و آمالهم.
** "يومـا ما ستأتي الساحرة" كتاب د. كاي ستون في تحليل القصص الخيالية و دورها في تشكيل شخصية الطفـل  

شارك المقال

فيس بوكتويترجوجل +


الإبتساماتإخفاء