وسام عثمان - رؤية في تذوق فني فيلم (البيضة والحجر)


بقلم : وسام عثمان 


الفيلم من تأليف محمود أبو زيد و إخراج علي عبد الخالق  ومن تمثيل أحمد زكي وممدوح وافي ومعالي زايد واحمد السباعي وصبري عبد المنعم و عبدالله مشرف  ومن إنتاج سنة 1990

مشاهد ماقبل العناوين 

يبدأ الفيلم من مشهد  فوق السطوح لعمارة عالية تحيط بها الإعلانات الضخمة  من اكثر من جانب مما يدل أنها بوسط  البلد لوجود مثل هذه الإعلانات في تلك المنطقة في هذه الفترة ، تبدأ بصوت صراخ شديد جداً لصوت نسائي ويكرر بأكثر من مرة مع حركات سريعة لأشخاص تجري وأخرى تصعد السلم مما يجعلنا في مزاج خوف وقلق وتوتر من الحدث نتيجة هذا المشهد وإنتظارنا لحدوث مصيبة ، وهذا هو الغرض من هذه اللقطة أن يوضع المشاهدين في هذا المزاج ، ثم بإكتمال ظهور الممثليين نجد صاحبة هذا الصراخ هي معالي زايد وهي التي تأخذ معظم الحوار مع صاحب المنزل الذي يريد فتح الغرفة المغلقة منذ فترة وتحاول بشدة إثناؤه عن ذلك بدعوى انها غرفة مسكونة وبينما الحوار يدور يشارك فيه كل من صبري عبد المنعم وفؤاد خليل وعبدالله مشرف ونعيمة الصغير على إستحياء لكن جميعهم يؤكدون نفس الفكرة أن الغرفة مسكونة ومجرد فتحها ستجلب المشاكل إلا أن يأتي الظابط ممثلاً للسلطة ليحاول أن يجير المظلوم ويُرجع الحقوق وما أن يفهم الموضوع يأمر بفتح الغرفة وعندها تنتقل الكاميرا بين الممثليين وأعينهم كلها خوف ورعب مما سيحدث  وتُظهِر كل واحد بمفرده يأخذ خطوات للخلف دليل على التراجع مع ظهور خلفية السماء ومنظر الطريق من أسفل العمارة مع ظهور الإعلانات دون أن يظهر سور سطح العمارة وكأن كل منهم  مُعلق في الهواء مما يوحي بخوفه من السقوط في الهاوية و بأنه لايقف على أرض صلبة وقد يسقط في أي لحظة وهذا الكادر كله  وضع المتلقي في مزاج أخر أكثر تشويقاً ورعباً وما أن فُتحت الغرفة إذ بصوت صاحبها يعلو ويصرخ والجميع يرتعب حتى الشرطة تنبطح مواكبة للموقف وتنتهي مشاهد ماقبل العناوين عند ذلك دون أن نفهم ماذا حدث ؟ لتضعنا طوال فترة العناوين في حيرة وتساؤل عما حدث ونزداد مزاجأ متوتراً  وغامضأ .


رؤية في أسماء الممثلين 

أحمد زكي :( مستطاع طه ) في الجزء الأول من الفيلم  وكان مطابقا لإسلوب حياته في البداية حيث يعيش بالمستطاع  وبعد تحوله للدجل إستخدم إسمه الثالث ( تعزي )  ليصبح الدكتور تعزي في اسم غريب ليس له معنى واضح للعامة بسهولة مشابه لطبيعة كلام الدجالين الغير مفهوم.

عبدالله مشرف : ( كاقودا ) و  صبري عبد المنعم :( صباحي ) و ممدوح وافي : ( توالي).

كلها أسماء غير مفهومة للوهلة الاولى بإستثناء صباحي وكلها مطابقة لكلام لدجالين.

أحمد السباعي : ( سباخ ) وهو ساكن الغرفة السابق وصاحب الكرامات والدجال والإسم يوحي بالنجاسة وقلة الإيمان حتى شكله كان غث وغير نظيف.

فؤاد خليل : (طاروطة) إسم مؤنث دليل على هيئته وطريقته وإسلوب حياته.

 رؤية في الشخصيات الرئيسية 

أحمد زكي مدرس فلسفة ولها مدلول مهم في الفيلم ومُختار بعناية حتى يكون له فكر خاص ورؤية وكذلك تحمل الجانب الآخر من الشخصية التي سيعيش بها النصف الثاني من الفيلم وهي السوفسطائية والقدرة على التلاعب بالكلمات والعقول طبقا لما يريد بالمنطق ، إستغل أول فرصة ليسكن في غرفة رغم كل ماسمعه عنها وهنا تأسيس لشخصيته في الفيلم بأنه يستغل الظروف لصالحه وهو شخصية مقتنعة بنفسها جداً وبما يفعله وكان لهذا دور كبير في تأثيره على الآخريين , ورغم يقينه أن الحديث عن الدجل والعفاريت خرافات إلا انه كان ينتظر حدوث شيئ ما  في الغرفة وشعر بالخوف  لحظات وبدأ يشجع نفسه بالغناء وهذا حال البشر مهما كانوا أقوياء.

معالي زايد  ملامح أنثى جميلة ذات مفاتن واضحة من جسدها ومن ملابسها توضح من اللحظات الأولى أن المنطقة الفنية التي سيخرج منها معنى الشخصية تكون داخل هذه المنطقة ( أنوثتها ).

ممدوح وافي  صديق يظهر بلا رؤية وتابع وفقط ولايبالي في أي شيئ وأكد ذلك مشهد إلقاؤه لورقة كيس الشيبسي في نافورة الحديقة الدولية.

فكرة الفيلم وكيفية تناولها 

تقوم فكرة الفيلم على الإستعداد النفسي للنفس البشرية ومدى قبولها لأمر ما ومدى رفضها لأمر آخر ومدى قدرة الآخريين في التأثير على بعضهم بقدرة الإستعداد النفسي للمستقبِل وأن الإيحاء النفسي عامل هام جداً في التأثير على النفس البشرية ,كذلك الجهل الذي يسيطر على المجتمع والذي يهرب منه الكثير ويعوزونه لعوامل اخرى منها وجود سحر وربط وخلافه ويظهر هذا كله في العديد من المشاهد والجمل الحوارية طوال مدة الفيلم منذ مشاهد ماقبل العناوين والتي انتهت على صراخ صاحب العقار واندهاش وخوف الجميع فقد كان الجميع يقع تحت استعداد نفسي وإيحاء بأن هناك شيئ ما سيحدث و ها هو حدث بالفعل لكن ظهرت الحقيقة بعد ذلك انه ما كان إلا رمل قديم تراكم على الباب طوال فترة غلقه وسقط الرمل على وجه وعين صاحب العقار بمجرد فتح الباب ليس إلا .. لكن انه الإيحاء والإستعداد النفسي.

كذلك مشهد الأم التي تريد من احمد زكي ان يفك العمل لإبنها وزوجته ، هي لديها الإستعداد النفسي لذلك رغم عدم وجود موانع غير انه الجهل بالأسباب الحقيقة.

الفيلم يسير بين ثلاثة أقسام للمشاهد ,  الأولى يقوم فيها احمد زكي بالقيام بدوره النفسي في علاج مرضاه لكن بالإسلوب الذي يريدونه حتى يقتنعوا ,  وهو اسلوب الدجل والسحر والكلام الغير مفهوم و هنا طوال هذه المشاهد يروّج للفكرة الأساسية وهي الإيحاء والإستعداد النفسي للمتلقي ومن خلال ذلك كله تدرج في هذا العمل ووصل لأغلب شخصيات المجتمع بل وصل للظهور في الإعلام وأصبح يؤلف كتب فلك وأبراج وطالع وأصبح شخصية عامة وذاع صيته وأصبح يسافر خارج البلاد ليقوم بأعماله هذه معتمداً على ذكائه وضعف الآخرين.

والقسم الثاني للمشاهد  في الفيلم هي مشاهد لقاءات أحمد زكي وممدوح وافي وهي جميعا يقوم فيها احمد زكي بشرح نظريته و يتم فيها المكاشفة لما يحدث في باقي المشاهد من علاقاته بالآخرين من خلال الدجل وهي تمثل طاقة النور والعلم التي توضح وتشرح وتؤكد خرافة مثل هذه الانواع من الدجل والسحر وخلافه والمُلفت هنا ان جميع هذه المشاهد كانت في اماكن  حضارية سياحية جميلة تعبر عن جمال مصر وبهائها  وحضارتها وثقافتها  كالقلعة مثلا وامكان أخرى تمثل انجازات حديثة في وقتها مثل البرج ومترو الانفاق والحديقة الدولية وهذا له مدلول بالجانب المشرق في مصر.

والقسم الأخير مشاهد اخرى له في المدرسة وسط طلابه وفيها يستغلها المخرج ليضع نظرياته ويؤكدها وهنا  معنى فلسفي بدأ مع هذه المشاهد وانتهى مع مشاهد اخيرة في الفيلم وهو حينما كان يقول أنه ( يحارب الغلاء بالإستغناء ) ثم بعد ان اصبح صاحب مال وكثرت احتياجاته  واصبح عبد للخمرة على سبيل المثال قال ( كنت احارب بالإستغناء هم بيتحكموا فيا بالغناء ).

دلل المخرج على فكرته حيث  أوضح أن مشكلة معالي زايد في إسلوبها في التعامل مع الرجال هو ما يجعلهم ينفرون منها وليس أنها ( معمولها عمل ).

كذلك دلل المخرج على فكرة ان الخوف يعطل التفكير عندما جعل بطل الفيلم نفسه الذي يقول ذلك ويؤمن به يقع تحت هذا عندما اعترف على نفسه انه دجال عندما وقع تحت الخوف من الرجل السيادي ولم يفكر فيما يقوله الرجل ولو فكر لاستطاع ان يتعامل معه لكن الخوف سيطر عليه فأصبح يعترف وفقط .

في المشهد الاخير أخرج أحمد زكي من السجن ظابط كبير برتبة اللواء وكان يقول له ياصاحب الكارمات واعطانا يقينا انه مؤمن به وبما يفعله بل وطلب منه أن يقرأ له الكف  ويظهر فجأة إثنين من الظباط الأصاغر ليقولوا  احنا بقه مش هنسيبه   كناية عن الشباب والروح الجديده والعلم  الحديث ودوره في محاربة الجهل.

خلال الفيلم  كان هناك العديد من الجمل الحوارية تؤكد معنى الفكرة في الفيلم  وأذكر منها  على سبيل المثال لا الحصر .

هو فيه ممنوع ما بيتعملش .. السمكرة زي الدكترة 
كل حاجة غليت .. إشمعنا الغسيل  ولا عشان نضافة ؟!

 ــ  شوفت عفريت ؟   = لا انا ماشوفتوش بس فيه ناس سمعت انها شافت   ــــ أراهنك لوحد شاف ,, كله سمع 
خلي طشتي يتبارك بريحة هدومك يا أبو خطوة 
قيد الأغلال أهون من قيد العقول بالأوهام 
سر نجاح أي ساحر حاجتين  ثقته في نفسه وقوة إعتقاد الناس فيه 
الذكاء العقلي مالوش علاقة بالثبات الإنفعالي في حالة الإنفعال الكل بيتساوى في تقبل الإيحاء 
الخوف بيعطل التفكير 
الدجال بيتصنع بالدعاية الذكية والإعلام الجيد أومال انا فاتح المجلة ليه ؟

الحب ... الإخلاص .. النية الطيبة ... تصنع إنجاز