سليم بركات - فقهاء الظلام


سليم بركات في جمال اللغة وغموض السرد لديه لا يشبه أحدًا في زماننا كـ "بيكاس" في روايته "فقهاء الظلام" يشدك للغته الرصينه المحملة بعبق اللغة العربية الثرية وأنت تحاول أن تجمع شتات ذاكرتك في تذكر معنى الكلمة التي كتب بها ويركز إلى أمر آخر يخالف المعنى الأصلي ويأتي السياق بعد ذلك محملا بالمعنى الذي تحاول التشبت به إلا إن الكلمة تتكرر مرة أخرى في سياق يخالف السابق. 
ذاكرة بركات مليئة بصور الألم ومثل هذا الأدب الرائع بين يدينا لا يأتي إلا بصور متخمة بالألم الذي يولد نصوص وحكايا متقنة في الصنع منمقة بلغة سرمدية ملئ بآهات الشمال والمهجر ويطوقها حنين العيش بسلام.

تقع الأحداث في الشمال الشرقي لسوريا على مقربة من الحدود التركية (القامشلي) موطن سليم بركات .
"بيكاس" الذي بلغ الشيخوخة في يوم مولده مساءا وكان في ريعان الشباب بعد مضي ما يقارب سبع ساعات هو ابن لأب شيخ/مُلا وقور يخفظ القرآن كاملا عن ظهر قلب وبعضا من الأحاديث النبوية إلا إن المحنة التي دارت رحها في أسوار البيت الذي تتوسطه شجرة زيتون لا يزيد طولها عن متر وتقاسمهم العيش والشعور والأحاسيس يثور ويخرج عن طوره "لا أريد أن أفهم شيئاً فيما بعد ولا أريده الآن. لست معنياً بفهم هذه المحنة، فليفهمها ربّك" وما تمر ساعات شبابه حتى يطلب عروسا له ! ولا يجدون إلا ابنه عمه البلهاء "سنيم" التي يتكتم كلتا العائلة في كل شيء وما أن يمر اليوم الأول حتى تبزغ خيوط الشمس بوضوح إلا ويقولون بإن الوليد /العجوز "بيكاس" قد مات في حبكة يحاولون جاهدين في أن لا تتطاير إحدى خيوطها وتصل إلى خارج العائلة. 

لتنحدثنا الرواية عن نوعان من المعلمين منهم المتعلم المثقف الذي أرسلته وزارة التربية لتعليم أبنائهم حتى يلقى مصير القتل بعد أربع سنوات قضاها في "القامشلي" اثنتان منها في تعليم الأطفال واثنتنان ليعمل محاسب ليحدث ما كان خارج الحسبان حيث تنبت أصابع في حقل داخل المنزل ويكلف "عفدي" الجد من أجل القضاء عليها إلا إن الأصابع لا تزال تنمو ! والمعلم الآخر الذي يعلمهم قراءة القرآن وبعض الحساب في طريقة بدائية لتعليم وقضى نحبه على يد أخ "سنيم" 

ولا ينسى بركات التهريب بين مدينة "القامشلي" وما جاورها من المدن وبين الحدود التركية سواء المؤونة الأساسية أو تهريب المخدرات بشتى أنواعها وهناك من يقض نحبة بسبب الألغام المزروعة في الجانب التركي إلا إن هذا الأمر لم يمنع من تطور أساليب التهريب وكيفية تفادي حدوث الإنفجار أو كوارث يمكن أن تلقي بهم إيدي الحراس.

البيئة التي رسمها بركات في "فقهاء الظلام" كانت آسرة بما تحمله من عبق الماضي الذي تشربت الأرض من رائحته والقمح الذي كان ينتقل بين السنابل إلى الرحى والتجار والبائعين مرور بالنساء عند أفران التنور الساخنة إلى قوت النمل الذي يخزنه وكما ذكر بركات بإن النمل يخزن ما يزيد عن حاجته إلى أربعة أشخاص حيث ما أن يقترب الشتاء حتى يدب البحث عن أوكارها. الأساطير التي لا تخلو الرواية منها تضع لمسة براقة في جنبات الرواية .صبغ التكرار التي تضفي بعض الملل في الرواية لا تمنع من الاستمتاع بإنهاء قراءتها. وبعض المشاهد التي كان بالإمكان الإستغناء عنها.


"ليس لأحد سوى خرافه، وبيته، وقمحه الذي يخذله فيتركه عاريا"
"الأم وحدها، التي تركها الأب والابن في سباقهما، لا تعرف مسافة غير مسافة ذهولها"
"عمر الانسان، في الأصل يوم واحد، ومن يعيشون لسنين هم استثناء"
"لو قيض للقرى ان تخرج على صورة لم تلتقطها عدسة، لخرجت على شكل الأرقام التي دونها الملا"
"المياه، المياه. تلك الدعامة الشفيفة التي تسند هيكل الحياة المائل"
"المغيب يستكمل جمع الشارد من ألوانه كما يجمع الراعي غنم الشارد"
"يعرفون ثغرات النهر كراحات ايديهم"
"لفافته تحيط وجهه بهالات من دخان عصبي كقدمي طفل تخبطان في الهواء"
"أما الأبوان فبانا ممسوخين، لينين ككرات عجين يمكن دحوها قبل إلصاقها بباطن التنور"
"شبح خفيف كقطرات الماء التي تدلف من السقف لا اكثر"
"يملأ كفتي ميزان الحي الغربي المتذبذبين بحكمته الثقلية كصيف الشمال"


بالتأكيد لن تكون القراءة الأخيرة لـ سليم بركات 


الإبتساماتإخفاء