حميد العقابى - الفئران


حميد العقابى - الفئران  

الوجوه هنا تتغير باستمرار.تأتي نضرة لكن سرعان ما تتغير شيئاً فشيئاً تذبل أو تزداد نضارة وتغادر المكان. شباب جاءوا ممتلئين بالعنفوان والطموحات لكنهم غادروا المكان منكسرين تلوح علي وجوههم الخيبة أو العبث وآخرون أكملوا الدورة كاملة، حيث انهم استعادوا شبابهم شيئا فشيئا بعد ان تجاوزوا فترة الذبول. بعضهم أطلق سراحه بعد ايام أو شهور أو سنوات والبعض الآخر لفظ انفاسه الاخيرة فحمله السجانون بكيس قمامة وخوجوا به دون ان يترك موته اثراً في نفوس الذين ينتظرون صدور أمرهم، وربما حسده البعض لانعتاقه من الجحيم. وهكذا تمتلئ القاعة بالسجناء ثم تفرغ لتمتلئ مرة أخري والسنوات تمر كدوران عقارب الساعة ولا أحد يعرف تقلب الفصول، وهذا ما جعل عباس المجنون( جن في ما بعد) يردد عبارة وجدت صدي عند الجميع كأنهم وجدوا فيها الحقيقة التي كانت غائبة عنهم"الحياة معاملات..كل واحد ينتزر معاملته..." 
وعلي الرغم من ضيق المكان والالفة المفروضة علينا من خلال الهم المشترك وما يتطلبه قضاء الوقت الا اني وحتي هذه اللحظة لم استطع التكيف والتالف مع الوجوه الجديده ومازلت احن الي وجوه الدفعة الاولي او الجيل الاول من السجناء او الفئران كما اطلق علينا من قبل السجانين. أتذكر السيارة الكبيرة الخضراء التي حملتنا متكدسين علي بعضنا من سوق المدينة الي السجن بعد ان تم اصطيادنا فرادي من الازقة والاسواق واماكن العمل.