روي بورتر - موجز تاريخ الجنون


يُبحِر بنا الباحث "روي بورتر"؛ في كتابه "موجز تاريخ الجنون"، في جولة مشوِّقة حية تتناوَل تاريخ الجنون في الثقافة الغربيَّة، والمعالجات التي تمَّت لها عبر العصور المختلفة، حيث كان الجنون منذ بدايات البشرية يُنظَر إليه على كونه تلبُّسًا شيطانيًّا أو إلهامًا سماويًّا، واستمرَّت تلك الأفكار في التطور حتى صار الجنون في العصر الحديث - مع تطوُّر علمَي الطب العقلي والتحليل النفسي - مرضًا له دوافعُ وعوارِضُ يمكن علاج مسبباتها؛ لإعادة المريض إلى ممارسة حياته الطبيعية، دون عزْله عن باقي العالم كما هو الحال قديمًا.

والكتاب يمثِّل في قالَبه العام إعادة صياغة للمفاهيم المتعلِّقة بالجنون ومدى تداخُله في الحياة البشرية على امتداد عصورها، فمجنون الماضي الذي كان يُعزَل في مصحات خاصة أشبه بالسجون، ليس مختلفًا عن مجنون الوقت الحاضر الذي تُمارَس له عمليات تأهيليَّة؛ للتمتُّع بحياة طبيعية مِثَل باقي أقرانه من البشر الطبيعيين، لكن ما تغيَّر هو تفكير المجتمعات الإنسانية ونظرتها للجنون كحالة خاصة تستدعي الرعاية والرحمة، وكل هذا تحت رعاية العِلم الجديد الذي حَلَّ محل التفكيرات الإغريقية القديمة مُستحدِثًا أنماط فَهْم جديدة حول الجسد والدماغ والمرض، لقد سُمي القرن العشرين قرن "الطب العقلي"، واهتمَّت مدارس طبيَّة عديدة برعاية الحالات الخاصة وحاجاتها على المستوى الاجتماعي، ورغم أن كثيرًا من العلماء ما زال يُشكِّك في مفهوم "الطب العقلي" وابتكاراته العلاجية، ويرى أنه ليس بالقيمة التي يُصدِّرها الأطباء للرأي العام، لكن الطب العقلي أحدث ثورةً ملموسة في مجال الأمراض النفسية وتحليل أسبابها، ومحاولة إيجاد حلول عمليَّة لها في مجاله الخاص.