ولاء الشامي - لعنة الجليد



ولاء الشامي

في داخلي ثلج، لا أعرف مصدر هذا الصقيع، صدقا أغلقت جميع النوافذ قبل أن أذهب إلى النوم، لكن بمجرد أن أغمضت عيني ارتجفت، فتحت عيني بسرعة، لكنها لم تطعني؛ يغلقها الثلج، حاولت أن أنهض من سريري، لكن منعني التجمد الذي يسري بأوصالي. 

في هذا الظلام المفروض علي، أرى نفسي كما كانت قديما، تتفتح الورود مع كل صباح، وتحط العصافير على شباكي وتغرد، والآن صار الشباك مخيفا عن ذي قبل. 

مقفر قلبي، لا ترده الصيحات من حوله إلى الحياة، فيما مضى كان أخضر مورق، كانت لدي القدرة على التسامح، والآن يملأ الثلج عيني، وجميع الطقوس التطهيرية لا ترد لجسمي حرارته، والصوت ينادي من بعيد "ها قد تجمدت أوصال لم تسقها المحبة".

ما هو شكل الأرواح المتجمدة؟! 
هل تبدو بائسة مثيرة للحزن كفقير تراه يرتجف في ليل شديد البرودة؟ يعريك أمام نفسك، يكشف لك مصدر البرودة التي تحسها تحت جلدك رغم كل تلك الملابس؛ أنك أناني ولا تبذل لروحك ما يدفئها! 

ما هو شكلها حقا؟
هل تشبه تلك العجوز التائهة، التي قررت أخيرا بعد أن هزمها الزمن أن تجوب الشوارع بحثا عن ابن لم تلده قط؟ 

يمضي من مضى ولا يمضي، ويجئ من يجئ ولا يجئ، نعم هي أحجية، أحجية المستقرين في غيابات الروح رغم البعد الطاعن، والعابرين بلا أثر رغم المحاولات المستميتة. 
يكون أثرهم خفيفا حين يدخلون، ثم يدبون بأقدام حاقدة بينما يخرجون. 

كل ما أشعر به هو أنني لست أنا، وهذه أحجية أخرى، امرأة أخرى تسكن جسدي، روح خائفة تتجول بداخلي، لا يرضيها شيء، ولا يطمئنها شيء، كل ما أصل اليه كأني أقدمه قربانا لهذه المرأة؛ حتى ترضى، لكنها لا ترضى ولا تهدأ أبدا، وفوق كل ذلك لا تتوانى عن مسخي؛ تشعرني دوما أنها هي التي وصلت إلى كل ذلك، وأنني لا شيء.

بل إن أحيانا يكون بداخلي عدة نساء في نفس اليوم، في نفس اللحظة ربما، امرأة واثقة لا تخشى شيئا، وأخرى خائفة مضطربة، وثالثة تتشاجر، ورابعة تنشد السلام في كل ذلك، وخامسة وسادسة وسابعة، وأخيرة يزيحونها من أمامهم، يجبرونها أن تتفرج، مكتوفة الأيدي.

" ها قد تجمدت أوصال لم تسق المحبة " الحياة تمر رغم كل شئ، هكذا يقول الجميع. تمر الحياة ما بين ضيق ومتسع، ضيق الهموم، ومتسع المحبة. لكن ما نفع المحبة في القلب إن كنا لا نبذلها؟!

تتراكم المحبة في قلبي حتى تصير طبقات من الصدأ، ثم يسكوه الجليد، في كل مرة كنت لا أمنح محبتي كنت أبارك طبقة جديدة من الصدأ، حتى صار طيف المحبة قيد.

نسيت المفردات، أفتش بين حنايا روحي فلا أجد سوى مفردة واحدة " اللعنة "، لعنة الجليد.