معين شلبي - صريعٌ من الألم والحنين


 معين شلبي

كان الفراق عام 2014 عندما سافرت من قريتي الجميلة ترمسعيا لأكمل دراستي في الخارج ، لم يخطر في بالي ولا للحظة انه عليّ ان أودع كل شارع وكل زاوية وكل مكان لي فيه ذكريات جميلة ، كان الخروج سريعاً جداً ، حيث كان الهم الأول والأخير في تلك اللحظات هو الحصول على مستوى حياة وتعليم أفضل .
‎
مرّت الشهور والسنين ولازلت أذكر تلك اللحظات وكأنها حدثت البارحة. لحظات الوداع قبل السفر من أصعب اللحظات في حياة كثيرٍ من المسافرين ومن يودعهم من الأقارب والأحباب، خاصةً حينما يودّع الشخص هنا والديه أو زوجكته وأبناءه أو أشقاءه أو المُقرَّبين منه، وقد تنتاب المسافر هنا مشاعر متضاربة في كثير من الأحيان، بيد أنَّ هذه اللحظة بما فيها من مشاعر قد تختلف من شخص إلى آخر، إلى جانب مدة السفر ووجهته، إلاَّ أنَّ الغالب هنا هو أنَّ هذا الوداع عادةً ما يكون مزيجاً من المشاعر التي تختلط فيها الدموع بالدعاء مع أمل بعودة تجمع الحبيب بمحبيه، حتّى وإن طال السفر.

‎لقد علَّمتني الغر. بة أشياء كثيرةً على المستوى الشخصي والعملي والاجتماعي، ففي الغربة تتعرف على أشخاص تحسبهم على خير، ولكن مع مرور الوقت فإنك تجد شعار “مصلحتي أولاً” متغلباً على كل المشاعر الإنسانية، إلا مَن رحم ربي -وهم قليل- فليس الكل سيئاً، وهنا لست أصدر الصورة السوداء، بل إن هناك رجالاً وأشخاصاً أصبحوا مقربين إليَّ -كأخي الذي ولدته أمي- وتشعر معهم بتعويض جزء، ولو بسيط مما فقدته بغربتك وبعدك عن أهلك وأصحابك، فصدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين قال: “لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي”.

ماتت الفرحة في أعماقي… ودفنت حياتي بيدي …يوم صار حاضري جمرة قرح وغدي دمعة جرح …تتقاذفهما رياح الأهوال من ضيق إلى ضيق،ومن شعلة إلى حريق، أوجاع رفيق وصديق وظلم أحباب والبعاد وطول الطريق

 ‎ألم الفراق عن الوطن من أصعب الآلام ومن أشدّها. فمن لا يبكي لفراق الوطن؟ ومن لا يشتاق لأرض وطنه؟ فلو لم يكن الوطن غالياً لهذه الدرجة لما سُمّي بـ"الوطن الأم". فالوطن هو تماماً كالأم الحنون التي تحتضن أطفالها وتمنحهم الشعور بالأمان والسكينة. ومهما سافر الإنسان ومهما دار من بلدانٍ حول العالم، فلن يجد أحنّ من حضن وطنه ولا أدفء منه.

نعم لما تشتد علي الشجون وتخنقني المحن وتحرك ريح الولع رائحة البلاد اشتاق لعناق هذا الوطن…الذي علمني كيف أحمل ثقله والحنين وأصبر على بعد وعناء السنين …وكيف أحيا تلك الوطنية الخالدة وأنا أودّع أشرطة حدودك وأفارق السكون والسكن يا وطن لمّا أغمض القدر عيني وهزتني زلازل الغربة ورمت بي الرياح في كم من وطن.

‎ورغم مرارة الغربة وصعوبتها على النفس، فإنك تجد أناساً تحسدك دائماً على شيء هو لا يستحق الحسد، حتى إنهم على الغربة يحسدونك، كأنما أصبح التشرد والبعد عن الأهل والأحباب بل وفراقهم دون رؤيتهم وتوديعهم مكسباً، وعليك أنت أن تدفع ضريبته نقداً .
‎وأقول لهؤلاء: “إن الغربة فاجعة يدركها المغترب على مراحل، ولا يستكمل الوعي بها إلا بمرور الوقت، فصدقاً إن الغربة هي أقسى شعور يمكن أن يمر به الإنسان، بعيداً عن أهله ومعارفه وأصحابه، بعيداً عن أرضه ووطنه، لكن الظروف القاسية هي التي تجبر الشخص على فعل ما لا يريد”.

‎وفي نهاية تدوينتي هذه، أؤكد أن كثيرين ممن سافروا خارج أوطانهم بإرادتهم، أو حتى وهم مجبرون عليها، يعلمون كم هي مؤلمة تلك الغربة، فهى عمر يمر دون حساب، وفيها أحباب نفارقهم دون وداع.