سماء علاء الدين - إشباع النفس ظاهرة العصر

 

بقلم: سماء علاء الدين 

تريد أن تشبع نفسها، هذه الرغبة دائما تقتحم أفكارها، حتي كاد قلبها يؤمن بإنها أصبحت جزء منها، هي من تعرف نفسها حقا، علي دراية منها بما يعجبها وبما يسعدها وبما يثير قلبها فتخضع إلي، لا أعلم هل هذا نابع من حب الزائد لنفس، ولكن الجميع يحاولون أن يشبعوا رغباتهم ولكن هناك من يخشى من الله أو المجتمع أو الناس، وهناك من يضرب بكل ذلك عرض الحائط ويسعي إلي إشباعها، وهناك من هم من الحين والآخر يفعلون ولكنهم يخشون، تلعب ضمائرهم ومبادئهم على قلوبهم، فهم عاجزين عن الوصول إلي السعادة في تلك النشوة العازله عن عيون العالم وعن التوقف عنها نهائيا. 

نشوة العزلة والتفرد بالنفس، اقتحام تفاصيلها والعيش معها في الخيال الواقعي، معرفة أدق الأشياء عنها بما ترغب به وما تنفر منه، أعترف أن القليل منا من يعرف هذا الشعور والكثير منا يعيش حياته في معزل عن نفسه لا يعلم عنها شيئا، فهو يوهم ذاته بأنه سعيد في موقف محدد لأن هذه السعادة معطاه من شخص ما حاول جاهدا في اقناعك بأن هذه هي السعادة التي ترغب فيها، فأصبحت متلقي ليس أكثر، عاجز عن التعبير لأنك لا تملك من نفسك شئ. 

مازلت أؤمن بأن لكل منا انحرافاته في كل مرحلة من مراحل حياته، سواء كانت تلك الانحرافات مضافة عليها بعضا من الشرعية من قبل الله أو الأفراد والمجتمع إما تكون غير شرعية ولكننا نضع لها شرعية من المبررات التي تجعل ضمائرنا تغدو بسلام . 

نحن نحكم على بعضنا من خلال موقعنا الحالي ولا نتذكر ما كنا عليه، نرسم في مخيلتنا نموذجا مثالي، وواقعنا الخاص يختاله الكثير من الانحرافات، يقول أبي عندما كنت مثلك كنت كذا وكذا وكذا ولا أعلم لماذا أنت كذلك! جميع الآباء يقولون ذلك، وليس هم فقط وإنما كل من هم يحتلون مراكز الحكم والسيطرة والمكانة، جمعيهم كانوا ملائكه على الأرض وجئنا نحن نشيطن هذه الأرض بما نفعله من انحرافات. 

إشباع النفس أصبحت ظاهرة هذا العصر، يحاول البعض منا أن يسعي لكي يشبع نفسه دون الاحتياج للآخر، نوهم أنفسنا أحيانا كثيرة أننا لا نحتاج إلي أحد، فنحن مستقلين بذاتنا، نعمل ونأكل ونشرب ونحقق احلمنا، نسند انفسنا ونحتويها ونمدها بالعاطفة، مكتفين بكل ذلك ولا نحتاج الآخر . 

نظل طوال الوقت نقوم بفلسفة فارغة لماذا أسعى لتدمير نفسى،وكأن عندما نختار من يشاركنا حياتنا تدمير لنفس، شخص يتحكم في أفكارى وتصرفاتي وجميع تفاصيل حياتي، أشعر من خلاله أنني مراقبه، ولو اخطأت تكون النهاية، شخص لا يشعرنى بوجودى في حياته، وكأنني سراب بالنسبة له، يتلاعب بمشاعرى نحوه ويستغل عاطفتى أحسن استغلال، يقوم بسلب كل ما لدى في هذه الحياة حتى أصبح طوال حياتي في احتياج دائم له. 

هذه هي أفكارنا التي تجعلنا نسعى إلي مزيد من الاكتفاء بالنفس وإشباعها، وجدت الكثير ممن يقولون ذلك، ولكن مع هذا الحديث تجد عاطفة تجعله يفقد صدق حديثه وتشعر كأنه يقول أنني أحتاج إلي أحدهم ولكنني مازلت أكابر . ليس كل حديث يخرج من الفم يصادقه القلب والعقل معا. 

كيف لنا أن نتمرد على طبيعة الخالق، نحن طوال الوقت نحتاج إلي من يلبي لنا احتياجتنا ونحقق معه ومن خلاله احلامنا من يشاركنا وليس من يتحكم فينا .

هؤلاء الذين يثورون علي الطبيعة ويتجهون نحو إشباع رغباتهم مع أنفسهم دون الاحتياج للآخر، الذين يمارسون نشوة العزلة والتفرد، هم في الحقيقة ليس عاجزين عن مشاركة أحدهم ولكنهم يسعون إلي الاكتفاء بالنفس حتى عندما يتواجد أحد، تجدهم مازلوا يسعون إلي هذا التفرد .

والحقيقة نحن من نفعل ذلك بأنفسنا، نخشى من معرفتها، وعندما نتعرف عليها، نخشى من البوح بما نرغب فيه، بما يسعدنا حقا، وبما ننفر منه ولا نطيق أن يتم وضعنا فيه، نخشى أن نعبر للآخر عن جميع ما نرغب فيه، خوفا من النقد أو الذم أو الحكم علينا بما ليس فينا، نتعامل مع بعضنا كأننا غرباء رغم الاشتياق إلي الاقتراب . 

انحرافاتنا هذه نابعة من حالة التمرد التي تكمن بداخلنا من الضغوطات التي نعيش فيها والتي يلعب مجتمعنا جزء اساسى فيها، حتى أصبح البعض يهرب من هذه الضغوطات ببعض من الانحرافات التي يجد نفسه من خلالها إنه حر طليق يفعل ما يحلو له دون قيود، حر الاختيار، إنه في معزل عن العالم، متفرد بنفسه .

عندما لا يوجد المجتمع والأفراد للإنسان طرق شرعية سليمة لكي نفس عن نفسه من الضغوطات التي يعيش فيها طوال الوقت، لا تلوموا إلا انفسكم، عندما تمارس طوال الوقت على الإنسان سياسة القهر والخضوع والاستسلام والذم والتحكم، ستكون النهاية فرد يبتكر من الحيل والاسلحة ليجد طريق الحرية بنفسه أى كان هذا الطريق شرعي أم غير شرعي، فالهدف في النهاية هو نيل " الحرية" وهكذا أيضا بالنسبة لمن نحبهم عندما نحاصرهم طوال الوقت ستكون النهاية شخص يبتكر من الحيل ليحرر نفسه من هذا الحصار . 


الإبتساماتإخفاء