مراد غزال - شذرات من رواية "شياطين الجوف" للمبدعة سميرة منصوري


شذرات من رواية "شياطين الجوف " للمبدعة سميرة منصوري
بقلم: مراد غزال 

رواية النفس الواحدة ، قرأتها ظهرا لأن هذا النوع من الروايات لايزعج الليل ولاينتمي لضوء الصباح هي رواية تُخبرنا عن دواخل كل الأنفس المثقلة تخاطبنا على لسان بنت تكلم طيف حبيبها وتراسله .

"لما تعشقين الحزن وتنقبين عنه حتى في حبر أوراق بالية  " صديقتي سميرة منصوري كما قلتي على لسان بطلة روايتك .

- تقتحمنا الكاتبة مرغمين بمشهد درامي بلغة متماسكة حزينة بأروقة المشفى التي تنزل فيه البطلة منذ شهر وتمتزج روح ذكراها مع حبيبها وواقعها الذي يكره البياض المشوه الذي يلفه السكون كما قالت ،  وسمفونية من مشاهد المشفى المزعجة.

" إلا أني أتراجع عن كل تساؤلاتي ،ربما لأني فقدت شهية الكلام بعدما فقدت شهية الحياة" هو بوح بصوت عالي حتى التعب يكلل بالكتابة ثم بآخر الفصل تستحضر البطلة يوميات أمها تلك البنت الريفية ،واب البطلة ذاك الذي تزوج مرغما فالتحف العربدة سبيل حياة حتى رحيله المفاجئ الذي أرق ذكريات الطفلة التي تسكن البطلة .

- بالفصل الثاني والتي تستهله الكاتبة بمقولة ل"أدغار آلان بو " تدخل على الأحداث وبمرحلة الثانوية صديقة البطلة 'شريفة ' تلك البنت البدينة المظهر الساذجة العطايا ،فنشأ بينها وبين بطلتنا علاقة حاجة ،فشريفة ترى بالبطلة الفتاة الأنيقة الذكية التي تنقصها وبطلتنا ترى فيها حقها المسلوب من الحياة والذي لم يمنحها إلا أماً بنصف عقل وأباً فاراً من حياتهما ،يتلخص هذا الفصل بثلاث صور جمالية بديعة المدلول أولاها ،شريفة وهي تجر حقيبة ملابسها لتغدق صديقتها بها وتشعر هي بأعماق الأنا برض داخلي بعيدا عن جسمها الضخم .ثانيها تسمرهما أمام صورة أب البطلة وكأن بطلتنا ترى أبيها لأول مرة ،وثالثها همست الكاتبة بصورة مرونقة ولكن باستحياء عن وجود بيانو بصالون البيت رغم كل ما يتشح به من فوضى وهالة فاقة جلية .

- تبدأرحلة البطلة بمغامرة جديدة وهي قصصها مع صديقتها المتعجرفة نبيلة والتي سمحت لعفريت الشر الذي يسكن بطلتنا أن يستفيق ،" ماكان عليها أن تتحدى فتاة عنيدة مثلي ،يسكنها شيطان ينفث شره كلما أحس بوجع يأكله " بحيث سمحت لنفسها بنزع التبرج الذي كانت تتشحه البطلة من ملابس شريفة وتعريتها أمام الجالسين على حافة الكلام بالكلية ،فآثرت أن تخطف حبيبها وتحرق ما تبقى منها من أنوثة .فألتقى عالمها الذي يحب الكتب مع عشق رؤوف له ايضا وتمكنت بنهاية الفصل من حرق قلبها .هي حكايا كل البنات وفسيفساء القدر التي نتعثر بها دوما .وفجأة تظهر تسابيح الشرور التي تسكنها بجملة خاطبت بها عشيق المتعجرفة كانت فعلا أروع الجمل بالرواية " - إذن كنتِ تمثلين .

أنا فقط ساعدتك لترى شياطين جوفك ...في النهاية لا أحد منا يمكنه ردعها إن هي أستُفزت للخروج ".

وغادرت بطلتنا مسرح إنتقامها بفخر معتزة مخاطبتا نفسيتها المتعبة " ربما بسبب حجم الألم المتكور في صدري نتيجة العنف الذي شاهدته في طفولتي ..."وتأرجحت مع ذكرى رحيل أبيها "كنت أحقد عليه بقدر شوقي إليه "

- "لم يتغيير الكثير غير نيلي شهادة الماستر ...إلا أن سعادتي مبتورة فكلاهما غائب حاضر ..."تريد منا الكاتبة بهذا الفصل أن نتوغل بنفسية بطلتها الحاقدة على كل جميل فها هي تتهامس مع خطيب شريفة بحفلة أعدتها شىيفة نفسها خصيصا على شرف بطلتنا لا لشىء إلا لتلعن القدر اللئيم الذي منح شريفة تلك البنت البدينة شاب وسيما وموسيقارا وقارئ للكتب وطبيب نفسي .من أول لقاء وبمفردات يثقلها الحسد قالت له " أتؤمن بالحب من أول نظرة " ،وبانتهاء حفلة الخيانة الكئيبة الهوى تصفعنا الكاتبة بمجرد ترجلهم من مركب العودة بموت أم بطلتنا بحول درامي هزنا ،ربما أرادت كاتبتنا أن توازن نفس القارئ المثقلة باشمئزاز البطلة لتضيف لمسة شفقة صادمة و تنتهي بحضن 'شريفة '.

-" أدين بدين الحب أنا توجهت ركابه ،فالحب ديني وإيماني " هي أول أغنية تتراسل بها صفحتي بطلتنا وحبيبها بالفيس بوك ،بعدما فقدت كل شىء فالوحدة وشغف القراءة أبت إلا أن تكتمل بهذا الحبيب الإفتراضي ،قالت عنه " كنت اليد التي انتشلتني من جب الحزن ..."ولكن سرعانما فترت العلاقة بينهما لأن الفقراء قدرهم أن لا يفرحوا طويلا ...وبلحظة حارقة بالرواية نجد أنفسنا أمام حاجة بطلتنا ووحدتها وهي بأحضان إياد حبيب شريفة وموسيقى 'فايا يونان ' تلف المكان ولكن لم تكتمل الصورة كاملة ،فقد غادر إياد أيضا قبل أن تقضي وطرا منه وتشفي غليل الأنثى التي تسكنها فقالت " كيف لملم أحزاني عند مجيئه وكيف بعثر أفكاري برحيله .".

- "بعد البحث سدى عن بلد تنتمي إليه ،ترتد إلى الموت حتى تتمكن في هذا المنفى الجديد من الإقامة كمواطن "هي مقولة رددتها بطلتنا للعالم العدمي سيروان بعد ما قادتها غريزتها الأنثوية لعيادة 'إياد ' لتمارس خطيئة التمرد على صديقتها وطرده لها .وإنتقامه هو من كل اللحظات بينهما بخطبة " شريفة " .رسميا .

- الهروب هو الطريق الأسهل للجبناء والخونة ،هربت بطلتنا عنوة من إياد وحبها لعالمه حد التماهي وإشمئزازها من عالم شريفة رغم طيبتها معها لتسقط بيد أستاذها بالجامعة التي وجدت فيه الأب والمنجى لتكتشف في الأخير أنها مجرد وجبة يريد أن يكمل بها شرهه من الحياة ..."كانت روحي تتمزق مع كل زر يتطاير من قميصي " تنتابنا هالة من الذهول المريع وبطلتنا تسامر ذكريات أمها وجرحها كلبؤة خرجت لتصطاد لتجد نفسها هي الفريسة فالتجأت لصفحتها وراسلت حبيبها فهو المنجى الدائم لأخطائها فسمعت صوته لأول مرة وكأنه الربيع أتى يزاحم وريقات الخريف المجروحة وأخبرته أنها تكتب رواية ،ها نحن نحللهها برَوية الآن ...
"كنت أحدثك كل ليلة والقدر ينسج خططا أخرى ...".

- " أحب إياد حد الإحتراق كنت شغوفة به ..." رجع حضن إياد وأصبح الفراش يعتبر طهراً جديدا لقديستنا ،بطلة الرواية ،لتهرب من حالة إغتصابها وفض جسده بكارة كل حديث إلا الحب بغياب شريفة بدواعي السفر .

-" أسرعت بالخروج معلنة فصلا آخر من إحتضاري ..." بالفصل ما قبل الأخير تقف شريفة الصديقة المغدورة وتلك الفتاة التي تمشي على سجيتها أمام منظر الخيانة القاسي،فصديقتها التي أغدقتها بحنانها .تتلذذ بحضن من أحبت حقا .فمارست بطلتنا الهروب ككل مرة وحتى هاتف إياد أخبرها أنها مجرد نكرة وانها لم تكن إلى إناء يفرغ فيه قاذوراته وككل مرة تبعث بنا الكاتبةو نحن وبطلتنا على حافة الإنهيار إلى مراسلة الحبيب الذي أغرقها هاته المرة بحساب بنكي إستطاعت من خلاله أن تضع لنفسها لبنِات سيدة أعمال ناجحة متسلحة بتمردها وفتحت دار أزياء سمتها "سميراميس " وهاته المرة الأولى ونحن على وشك الإنتهاء من وريقات الرواية تختار الكاتبة اسما لبطلتنا والذي ليس بالمصادفة شبيه باسمها "سميرة " وتخفت خلف اسطورة "سميراميس " البيظة التي فرخت فتاة فائقة الجمال كما فرخت كلمات اوراق روايتها فتاة فائقة الأسى .ونتوقف بهذا الفصل على جملتين تلخصان كل شىء ،أولاهما " إكتشفت أني أحبك أنت رغم أني لم ألتقي بك ..." تخاطب حبيبها الذي أحيا بها الإنسانة بعد الجرح وسيدة الأعمال الناجحة " .وثانيها "...ولكنني جبلت على المعصية والخيانة " مارست أنوثتها بقسوة مع رجل أعمال إشتهاها فاشتهته .فهاتفت حبيبها ليخبرها أن موعد مجيئه للجزائر بات قريبا ولكن تأنيب الظمير بات يخنقها قبل ملاقات من أحبها حقا دون أن يراها .

- تصفعنا ثانية الكاتبة بالفصل الأخير بإعياء يصيب بطلتنا .قال الطبيب "ماذا فعلتي بنفسك يا ابنتي ؟" نعم هي مصابة بالإيدز وأحست كأن القدر عاندها مرة أخرى أوكما قالت إنتقم مني ،ولأنها فتاة لا تؤمن به قالت "كان علي أن أنتقم من هذا القدر الذي ظلمني منذ طفولتي إلى مراهقتي ونضجي ..."وانتهجت طريق العربدة وبيع الهوى سبيلا وآخر موسيقى لتخبر الحياة أنها لم تزل حية ترزق رغم موتها كإنسان كنوع من السخرية منه .إلا أن قرأت ذات مساء بالجريدة أن شابا كانت تذيقه جسدها وفارقته لأنها لا تؤمن بالتراتبية بالحياة إنتحر ولأنه ابن السفير ذكرته الصحف كعاتنا ببلاد العرب .،وبنهاية الفصل ترجعنا الكاتبة وبرَوية بأكناف المشفى  الذي استهلت به روايتها .

"ها أنا ذي في هذه الغرفة التي يلفها البياض كأنها كفن من الإسمنت ،كل شىء يوحي بالموت " .

فعلا رواية تركتنا عرايا ،فلم يجئ حبيب البطلة بعد وتركتنا نكملها لوحدنا ونفسياتنا المتعبة لنمارس نوعا آخر من شياطين الجوف .لا اؤاخذ عليك صديقتي سميرة إلا انك إغتصبتي النقلات حد التعب ،ربما لأننا اردناك أن تستزيدي من محنة البطلة ..

صديقتي المبدعة لولا اريكتي الغير مريحة وتصفحي المتقطع لصفحتي لكنت أوغلت أكثر بأعماق سميرة التي من ورق ومفرداتها ولعانقت موسيقى معانيك أكثر ...

وفي الأخير أقول هي رواية التأرجح على هاوية منفى النفس المثقلة التي لا نراها ....شكرا لأنني عرفتك ذات معرض كتاب ...


الإبتساماتإخفاء