ولاء الشامي - هكذا ترحل الأشياء الطيبة



بقلم: ولاء الشامي

بعض الأشخاص تحتاج فقط إلى أن يغادورا حياتك لتفهم أنهم ببساطة كانوا يملؤون حياتك على نحو بسيط لم يكن لك أن تتبينه حتى مع هذه المعايشة الدقيقة لجميع تفاصيل حياتك. 
بعض الرحيل اختيارا، وبعضه لا حيلة لك معه؛ كرحيل جدتي، وشادية. 

كلتاهما يرتبطان بهذا المعنى؛ أن تكتشف كم تحب أحدهم حبا جما لا يختبر قوته سوى الوداع، فتكتشف أن هذا الشخص كان جزء من بيتك، كان بالفعل بيتك. أذكر يوم وفاة جدتي كنت صغيرة جدا، لم يشعر بوفاتها سواي، كانوا يقولون أن الأطفال أول من يرى صورة ملاك الموت في البيت، لكن أحدا لم يعرف أن روحي كانت مرتبطة بجدتي من حيث لم أكن أدري. 

شابة دلوعة تسبقها ضحكة رنانة لكنها في ذات الوقت ليست خليعة على شاشة تليفزيون، تتابعها أينما تحركت عينان صغيرتان مبحلقتان لفتاة مأخوذة بما ترى، مندهشة حقا، كانت ضحكتها أخاذة. 

كنت فتاة صغيرة مهووسة بأفلام الأبيض والأسود، وفي الوقت الذي لم تكن فيه أفلام فاتن حمامة ضمن تفضيلاتي، كانت مساحة المشاهدة هذه محجوز لأفلام إسماعيل يس، وشادية.

فيما بعد صرت أوازن ما بين مشاهداتي بدقة واحتل فيلم " الباب المفتوح " مكان فيلم " المرأة المجهولة "، و فيلم " لا أنام " محل فيلم " نحن لا نزرع الشوك "، لم أكن أتقبل هذه المآسي العميقة التي تجسدها شادية، كنت كلما شاهدت إعلانا للفيلم أقول " وليه البؤس ده "، لم أعرف سببا كان يجعلني بهذا القدر من الإحجام اللهم إلا هذه الرغبة في التمرد على كل ما كنا نفضله ونحن صغار. 

تضاءلت صورة شادية، وكذلك صوتها في عقلي مع مرور الوقت، لكني ظللت أختزن ذكريات أول مرة شاهدت فيها فيلم " حصل خير "، وهذه البهجة التي كانت تعتريني حين كانت تقول بسذاجة الفتاة الريفية " ازيك بقى " وتنقلب إلى ضحكة طويلة. 

بينما كنت أقرأ خبر وفاة شادية، كانت تأتيني صورتها في مشهد من مسلسل "سابع جار" كان بعض الأبطال يشاهدون " مسرحية ريا وسكينة "، هذه المسرحية التي أعادت تشكيل صورة شادية من جديد في ذهني، لفترة ما كنت أحسب أنها المرأة المجهولة فقط، لكنها بهذا الأداء القدير على المسرح أجبرتني آنذاك أن أشاهدها مرة أخرى، عمل فني كامل للمرة الأولى منذ زمن. 

" جوني سألوني جاوبتهم عني دموع عيني! " لم أسمع هذه الأغنية إلا مؤخرا، وكانت واحدة من اكتشافاتي المتأخرة  المليئة بالبهجة المعاتبة. 
" علشانك أمشيها بلاد؛ من غير ولا ماية ولا زاد " كنت أظن أن الأغنية لمحمد منير حتى سمعتها بصوتها وعرفت أذني الفرق بين ماهو أصلي وما هو مقلد. 

عندما ترحل الأشياء الطيبة، يكون رحيلها أكثر هدوء وبساطة، حين توفيت جدتي في ذلك الصباح أشارت لنا بيدها ثم أغمضت عينيها، انطبع هذا المشهد في مخيلتي منذ ذلك الوقت، لم أنسه ولم أتذكر غيره، حتى سكرات الموت التي جاءتها لم أتذكر تفاصيلها، لم يثبت في ذهني سوى هذه اللحظة الصافية المنبعثة من سلام القلب الراحل إلى مكان يحبه. 

أعتقد أيضا أن لحظة رحيل شادية كانت مثيلة للحظة رحيل جدتي، وإن كان سيعقبها فيما بعد تعقيدات على من يحبونها، كهذه التعقيدات التي كنت أعانيها ولازلت. 

بالأمس كنت أقرأ رواية " بنات حواء الثلاث " لأليف شافاق، واستوقفتني جملة كتبتها " البيت حيث توجد جدة المرء "، هذه الجملة كتبت بكثير من الشجن؛ حين تتوفى الجدة يشعر المرء بأنه تائه وحيد، وكذلك حين يرحل عنك من تحب تشعر بأنك صرت لا تحسن التصرف فجأة، محدقا في الفراغ تخاف أن تطالع وجه أحد حتى لا ترى في دموعه حجم مصابك.  " مش هييجي أعز منك مهما جاني " - غنت شادية - ، تلك الفكرة المرعبة تظل مسيطرة، تغزو عقلك، تشعر أن حياتك صارت فارغة ولا شئ سيكملها. 

الكل حزين، خاصة عندما يكون الراحل محبب إلى نفوس كثيرة، والمصيبة لا تنعى بكلمات، لكن شادية باقية في القلب بقاء البيت، بقاء جدتي في أحلامي الدافئة القليلة، لأن رحيلها يظل بصورة مؤقتة، يتبعه انتظار ساحر لأمسيات مليئة بالحكي، حتما ستأتي. 

 رحم الله شادية، ووهبني وإياكم السلام في الرحيل!


الإبتساماتإخفاء