أحمد سيد عبد الغفار - شجرة جدتي


بقلم: أحمد سيد عبد الغفار

أنا فتاة من إحدى قرى الصعيد سوف أحكي لكم عن جدتي أكثرُ من أحببتها فى حياتي نعم كنتُ أحبُها أكثر من أبي وأمي وهى كانت تُحبنى أكثر من أبنائها كانت تعيشُ وحيدةً فى منزلها الصغير الذى يلتصقُ بمنزلنا الكبير وكان بيتها قديمُ يتوسطه شجرة ضخمة تخترقُ السقف الخشبى وكانت ترفضُ السكن معنا رغم إلحاح والدى عليها ولكنها كانت تعلم نواياهُ وأنه يريدُ هدم بيتها وقطع الشجرة لكى يجعلها حظيرةً للماشية وكنت أنا أعلمُ ذلك أيضًا .
كنتُ أهتمُ بها كثيرًا وأجلسُ معها طوال اليوم وأحيانًا كثيرةً كُنتُ أنامُ معها يُمكنك أن تقول إننى كُنت أسكنُ معها وكان ذلك سببُ مُشاجراتى الدائمة مع أُمي التى كنت أشعُرُ أنها لا تُحبها وكُنتُ أعلمُ أن جدتي أيضًا لا تُحب أمي وكُنتُ أقومُ بخدمتها كما ينبغى وكأنها أمي التى ولدتنى وكانت دائمًا تدعُو لي حتى فى ايام دراستى كنتُ أستيقظُ باكرًا جدًا وأقومُ بتجهيز الإفطار وأذهبُ به إليها وكُنتُ أجدها دائمًا على مُصلاها بجانب الشجرة وهى تقومُ بالدُعاء بصوت خافت وعندما تراني يعلُو صوتُها بالدعاء لي
أقوم بالجُلُوس معها أطعمها بيدي وكانت لها عادةً غريبةً معي ولا أعلمُ سرها فقد كانت تأخذ مني كل يوم جنيهًا معدنيًا وعندما أسألها لماذا تريديه؟ كانت تبتسمُ لي وتُمسك خدي الأيسر وتقول هل تبخلين على جدتك بجنيهًا؟
ابتسمتُ دون رد ثُم استأذنها وذهبتُ إلى مُدرستي وعندما أعُودُ أذهبُ إليها أولاً أجلس معها قليلاً لتسألني كيف مر يومي؟ وكنتُ أحكى لها ما يحدُثُ ولا أخفي عليها شيئًا ثم أعود لمنزلي وأرجعُ إليها بعد ساعة أو ساعتين لأجدها تمسكُ المُصحف وتُقلب صفحاته لأنها لا تُجيدُ القراءة وعند جُلوسي بجانبها تقومُ بغلق المُصحف وتضعُه بجانبها فأخبرُها أنه قد حان موعدُ الإستحمام وأعلمُ أنها تكرهُ ذلك لصُعُوبة حركتها ولكنها تخشى مضايقتي وبعد الإنتهاء أقوم بتمشيط شعرها الذهبي نعم كان شعرها أصفر اللون كأنه شلالُ من الذهب وكانت هى بيضاء وكنت أتخيلها وهى فى شبابها مثل جميلات السينما الأمريكية بل أجمل منهن.
وكنت كثيرًا أداعبُها وأقول لها:
- ليتنى أكُونُ جميلاً مثلك يا جدتى ويكون شعري أصفر اللون 
- (وهى تضحكُ) خُذيه يا ابنتي ما عُدتُ أحتاجُ إليه. 
- لقد سمعتُ أنك كُنت أجمل فتاة فى القرية وكان الكُل يتمناك وكانت الفتياتُ تغيرُ منك.
- نعم يا ابنتي كُنتُ كذلك ولكن لا شئ أقسى على الإنسان من الزمن فهو قاسي جدًا ولا يرحمُ أحدًا ولا شئ يبقى كما هو.
- لم وافقتي على الزواج من جدي من بين أثرياء القرية؟
- رأيتُ فيه الطيبة والصدق فقبل أن يتقدم لخطبتي كنت أمُر عليه وهو يعملُ فى الحقل أو جالسًا وكان لا يرفعُ عينيه فى أية فتاة رغم أنه شابًا لكنه طيب القلب هل تعلم يا ابنتي أننا تزوجنا في هذه الغُرفة و هل تعلمين ما أول شئ فعله بعد أن تم زفافنا وأغلقُوا الباب علينا؟
- ههههه أخجل أن أقول يا جدتي!
- ليس ما تظنينه يا خبيثة.. لقد أخرج من جيبه بُذُورًا ووضعها فى الأرض ثم التفت إلي وقال عليكي أن تسقين هذه البذور كُل يوم وكانت تعبيرات وجهه صارمةً أخبرتُهُ بأنني سأفعل دون أن أسأله عن السبب.
- هل تقصدين تلك الشجرة يا جدتي؟
- نعم تلك الشجرة التى كُنت أسقيها كُل يوم وأشاهدُها تكبُرُ يومًا بعد يوم وأنا سعيدة دون أن أعلم سبب زراعتها ولم أفكر يومًا أن أسأله وعندما كبُرت وأصبحت شجرةً كبيرةً كانت جلستنا المُفضلة بجانبها ...كم الساعة الأن؟
- إنها الثامنة مساءًا.
- هيا اذهبى لمنزلك وقُومى بأداء واجباتك ثم نامي.
...كُنت لا أترُكها إلا بعد أن أتأكد أنها نامت وأغلق الباب بهدوء وكُنتُ كُل يوم أجلسُ معها ساعات قليلة بسبب دراستى وبعد انتهاء دراستي وحصولي على شهادة متوسطة كُنت أقضى مُعظم يومي بجانب جدتي وكانت كثيرًا ما تقُول لي( إنك نعم الإبنة وإن الله قد نزع الرحمة من قلوب أبنائي وأعطاها لكي إنني أحتفظ لك بدعوة وأتمنى من الله أن يحققها لكي) وكانت لا تخبرني بسر تلك الدعوة او ما هي؟ مثل الجُنيهات المعدنية التى كانت تأخذها مني .
وفى يوم تقدم أحدُ الشباب لخطبتي ولكنني رفضتُ دون ذكر أسباب مما جعل أمي تتشاجر معي وقضيت تلك الليلة مع جدتي وكُنتُ أبكي وعندما سألتنى عن سبب رفضي قُلتُ لها لكى أكون بجانبك وأخدمك احتضنتني وهى تبكي وأخذت تدعُو لي وكانت تلك عادتي عندما تتشاجر أمي معي أذهب إلى جدتي وأقع فى أحضانها وهي تُواسيني عندما جاء ذلك اليوم الذى طلبت جدتي مني ألا أتركها هذا اليوم دقيقةً واحدة تملكني الخوف فهذه أول مرة تطلب جدتي هذا الطلب مني وبالفعل قضيتُ ذلك اليوم بجانبها ولم أتركها لحظة واحدة وأعتنيتُ بها أكثر من أي يوم وفي الليل كُنت أجلسُ معها وغلبني النوم وبعد مُرور وقت لا أعلمه فتحتُ عيني لأجد رأسي فى حجرها وهى تلمسُ بكفيها على شعري وتتمتمُ بأيات من القرأن نظرتُ إليها واندهشتُ أن وجهها منيرًا كأنهُ القمرُ مُنتصف الشهر قلت لها
- لماذا لا تنامي يا جدتي؟
- سوف أنام الأن ولكن أريدك أن تنامي فى حُضني
- ابتسمتُ لها...وأنا أريدُ هذا بشدة ولكن أخاف أن أضايقك
..هنا ضمتني إليها ونمتُ وشعرتُ براحة عجيبة وأنا داخل أحضانها أشعُرُ أنها احتوتني وأنني مثل عُصفورة صغيرة شعُرت في تلك الليلة أنني نمتُ سنينًا لا أعلمُ عددها وعندما استيقظتُ وجدتُ نفسي مازلتُ فى أحضان جدتي ناديتُ عليها فلم ترد إنها لا تتنفس تملكني الرعب وشعرتُ ببرودة تسري فى جسدي ولا أستطيعُ الخُروج من حُضنها كأنني مُقيدة بأغلال بكيتُ وصرختُ وأنا أنادي عليها وكانت دُمُوعي كأنها الماء المغلي تحرقُ وجهي وظللتُ أصرُخُ وأصرُخ حتى وجدتُ أبي وجيراني دخلوا علينا وفرقوا بيني وبينها بصعوبة وأنا مازلتُ أبكي بشدة ماتت جدتي رحلت أكثر إنسانة تُحبني وأكثر قلب عطوف وبقيتُ بعدها أيامًا أجلسُ في غُرفتها بجانب شجرتها وأنا أبكي وأتخيلها أمامي تُحدثني وأنامُ مكانها وأتخيلُ نفسي داخل أحضانها ولكنني لا أشعُرُ بالدفء
أين أنتي يا جدتي ؟ لم رحلتي وتركتيني وحدي؟ أريدُ أن أمشط شعرك الذهبي وأنامُ في أحضانك من سيحتويني بعدك؟
مرت أيامًا عجافًا وأنا على هذا الحال حتى استيقظتُ في يوم وسمعتُ ضجيجًا ونظرتُ من النافذة فوجدتُ أبي ومعه رجال يقُومُون بقطع الشجرة لكي يهدم منزل جدتي هرولتُ إلى الشارع وأنا حافية وصرختُ فى وُجوههم مثل المجنونة استشاط أبي غيظًا وكان يريدُ قتلي لولا أمي و جيراننا النساء أخذوني بالقوة من بين الرجال وأنا أبكي وأصرُخُ وهُم يقُومُون بقطعها رأيتُها تسقُطُ وكأنني أرى جدتي هى التى تسقُطُ وهى تبكي وعندما سقطت على الأرض سقطتُ أنا معها فاقدة الوعي وعندما استيقظتُ كُنتُ فى غُرفتي وكان الوقت مساءًا هرولتُ إلى الشارع مُجددًا ووجدتُ الشجرة نائمةً على الأرض اقتربتُ منها وجلستُ بجانبها وأنا أبكي لقد أزالوا أخر ما تبقى لي من جدتي محبُوبتي عدتُ إلى غُرفتي وأنا أبكي كما لم أبكي من قبل حتى غلبني النوم ورأيتها كأن وجهها منيرًا كالبدر ليلة التمام مثل يوم وفاتها هرولتُ إلي حُضنها وأنا أبكي وضعتُ كفيها على رأسي وقالت 
( لا تخافي يا ابنتي لقد دعوتُ الله دُعاءًا وأرجُوا من الله أن يُحققه لكي وسيكونُ قريبًا جدًا) 

هام جدا

السادة قراء، وكتاب موقع ورقة - war2h الكرام

خلال أيام يتعرض موقع ورقة للتوقف نظرا لحلول موعد {التجديد السنوي للدومين سيرفر} الخاص بالموقع.

لذلك نطلب من محبي موقع ورقة ومتابعيه قراء وكتاب، بالمساهمة الرمزية لضمان استمرارية دعم الموقع للكتاب الشباب وخدماته المختلفة والمجانية.

للمساهمة من خلال

- فودافون كاش: 01065704571
- اورانج موني: 01277756120

للاستعلام عن الوسائل الأخرى المتاحة

يرجي مراسلتنا عبر واتس اب على اى رقم من الارقام عاليه