أرسطو - دعوة للفلسفة: كتاب مفقود لأرسطو

أرسطو - دعوة للفلسفة: كتاب مفقود لأرسطو 

هذا كتاب مفقود لأرسطو! ضاع مع ما ضاع من المحاورات التي كتبها في شبابه ولم يبق منها غير أسمائها وبعض شذرات متفرقة منها. صحيح أن بعض المؤلفين القدامى قد عرفوا عنوانه الأصلي "بروتريبتيقوس" وأن عدداً منهم وضع كتباً أخرى تحمل نفس العنوان الذي يفيد الحث على التفلسف وبيان ضرورته للحياة السعيدة. وصحيح أيضاً أنهم اقتبسوا منه عبارة ذاعت شهرتها في كتب الفلسفة حتى يومنا الحاضر -ألا وهي العبارة التي تقول: "إما أن التفلسف ضروري، ولا بد عندئذ من التفلسف وإما أنه غير ضروري، ولا بد أيضاً من التفلسف لإثبات عدم ضرورته وفي الحالين ينبغي التفلسف".. ولكن الكتاب ظل أكثر من ثلاثة وعشرين قرناً في عداد المفقودات.. وبقي الأمر على هذه الحال منذ النصف الأخير من القرن الرابع قبل الميلاد حتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حين نشر عالم ألماني كتاباً عن محاورات أرسطو طرح فيه السؤال عن مضمون الكتاب الضائع وهدفه. وانطلق البحث من هذا السؤال الحائر ودارت عجلته مائة سنة كاملة حتى أعيد بناء الكتاب المفقود الذي تجده بين يديك.
والدعوة البليغة التي يحملها الكتاب إلى التفلسف دعوة موجهة في الواقع إلى الشباب الأثيني المتزاحم على أبواب المدرستين المتنافستين، وهي حث له على حياة التأمل التي هي وحدها الحياة الخليقة بالإنسان.
يبدأ أرسطو دعوته بالإشارة إلى أهمية الفلسفة والتساؤل عن الفضيلة والخير، ويبين أن كليهما لا يمكن أن يتحقق إلا عن طريق معرفة مطابقة له، فبغير هذه المعرفة يصبح امتلاك الخيرات الخارجية من ثورة وقوة وجاه خطراً يهدد الإنسان ويضره أكثر مما ينفعه. هذه المعرفة هي التي تضفي على تلك الخيرات قيمتها. وهي في الحقيقة تفوقها في القيمة لأنها لم توجد لأجلها فحسب، وإنما هي قيمة في ذاتها، بل هي القيمة العليا التي تجعل لكل ما عداها قيمة، وبذلك ينتهي الغرض الأولى بإثبات أن الفلسفة ممكنة.
ثم يشتبك المعلم الأول في مجادلة الخصوم الذين يشكون في هذه النتيجة ويروجون ين الشباب أن الفلسفة لا ضرورة لها في الحياة العملية ولا جدوى منها. ويرد على هذا الاعتراض القديم المتجدد أبداً بأن الفلسفة جديرة بالسعي إليها لذاتها لأنها أسمى خير يمكن أن يبلغه الإنسان. ولما كانت الغاية الطبيعية للإنسان هي ممارسة العقل فإن الحياة العقلية المكرسة للتأمل والنظر هي مهمته الحقيقية وواجبه الأول، وبها يبلغ كماله ويجد سعادته. وإذا كان البعض يتهم هذه الحياة بأنها غير نافعة، فإن أرسطو يبين أنه لا يصح التقليل من قيمتها بالنسبة للمشرع والسياسي، وبهذا يثبت أن الفلسفة "نافعة".
ويتابع أرسطو طريقته في الحجاج دفاعاً عن الفلسفة فيبين أن السعادة البشرية تقوم على فاعلية العقل، وأن التفلسف هو غاية الحياة الإنسانية بحكم طبيعتها نفسها، وأن هذه الحياة التي يهبها صاحبها للعقل هي أسمى لذة وأنقى فرح ممكن، لأن فاعلية العقل هي الخير الوحيد الذي لا يتوقف على غيره ولا يتطلب أي شروط خارجية. وهكذا تنتهي هذه الحجج إلى الفقرة الأخيرة التي ترتفع فيها موجة التحمس حتى تبلغ أسمى قمة. إن الفلسفة تعلو بالإنسان فوق الأرض وفوق الفناء، وتتيح له المشاركة في الخلود والألوهية، بل تجعله أشبه بإله بين بقية مخلوقات الله.
هذه هي جملة الأفكار الأساسية في الكتاب، وهي تعبر بغير شك عن دفاع مخلص عن الفلسفة، يوشك في مفهومنا الحديث أن يكون نوعاً من الدعاية الأدبية الفلسفية.. ولا بد أن القارئ قد أحس نغمته الخطابية التي تعلو في أجزائه إلى حد الصخب الذي يخفت صوت المنطق! ولكن هذا الصوت المرتفع في بعض الأحيان لا يستطيع أن يخفي دفء العاطفة التي تسري فيه وتجعل منه شهادة اعتراف صادقة سجل فيها الفيلوسف مثله الأعلى في الحياة. ومع أن أسلوب الكتاب يشف عن روح الشباب ويختلف اختلافاً واضحاً عن أسلوب الكتب التعليمية المتأخرة الذي يتميز بالموضوعية والجفاف، فإنه مع ذلك يعكس تفكير رجل ناضج ويدل على خبرته بالحياة والناس وقدرته على الحجاج والإقناع. ولعل التحليل المتأني لمضمون الكتاب أن يؤكد هذا الإحساس ويمهد للإجابة عن السؤال الذي يطوف في أذهاننا عن زمن تأليفه وموقعه من كتابات المعلم الأول وتطوره العقلي والروحي.