د. نهلة جمال - ظلال الخريف


بقلم: د. نهلة جمال 

كلما زارها دبت الرعشة بأوصالها وتساقطت أحدي أوراقها ، بينما تذبل أخريات، و تقل مساحة الظل الممنوحة بتاجها،  لتهجر العصافير المغردة عششها  بحثا عن ظلا جديد في الطرف البعيد من اليابس.. هناك حيث يغيب طيفه.

تمنت أن تتمكن من السير خارج حدود هذا المقعد المعدني ذو التروس والعطلات لتجذب اللون الأخضر إلي حجرتها الباهتة، أن تبني أعشاش العصافير علي أسوار مقعدها فلا تحرم من تغريداتهم ليل نهار، فصوتهم المتسلل من شباكها يعني لها صوت الحياة.. فما عاد بهاتفها أصوات غير رسائل الشركات الصوتية تلك التي تطلبها لتجد من يحاور آذانها ولو لدقائق.. فمنذ حادثة السير التي تسببت في إعاقتها عن الحركة وهي تنتظر.. الحياة.

كانت سلمي فتاة ذات طابع جاد رصين، ترتب أولوياتها وفقا للمنطق والقدرات، فهي الأبنة الوحيدة لأم لم ترتوي من حنانها بسبب مرض أفقدها الراحة ثم منحها الموت سريعا ولم تتجاوز سلمي الثامنة، وكعادة المجتمع الريفي كانت عروس الأب ذات العشرين ربيعا والأثواب الضيقة الملونة والشعر الكستنائي المموج تعبث بأحلام سلمي وراحتها بعد شهور قليلة من رحيل والدتها .

عم فكري الموظف الحكومي الذي يتفاخر ببلدته بزيه الافرنجي ولكنته الفصحي، يتخلي عن حشمته وهيبته مع العروس المشتعلة بالرغبات وحب السيطرة.. ويهرب لحجرته  ليضفئ نيرانها كلما لاحظ نظرات وايماءات العروس.

اعتادت سلمي إلي الخروج بعد الانتهاء من أعباء المنزل والدراسة لمصلي السيدات الملحق بالزاوية المجاورة لمسكنها حيث تنظف السجاد من عبث الأقدام وترتب الأرفف بمحتوياتها من كتب دينية تهالكت أطرافها وأصفر بعضها ثم تصلي في ركنها الأيمن المظلل بخطوط كوفية لأية : (المال والبنون زينة الحياة الدنيا) ..وتتأمل المعني طويلا .

حتي كان يوم أثنين ما من سنوات عدة ..عندما خرجت من المصلي متعجله لتأخرها فقد غلبتها غفوة   بينما كان يجري هو بسيارته الكالحة ليقذف بها للطرف الثاني من الطريق ويتركها جالسة علي مقعد معدني ..ما زالت تذكر تلك الضحكة التي اشتركت مع خصلات الشعر الكستنائي وهو يدفع لفكري بيه خمسة الأف جنيها كتعويض ومصروفات علاج ..بعدها أتذكر أن اساور ذهبية زينت معصم العروس وكانت أصوات احتكاكها علامة مميزة لحركتها بالمنزل بينما أحمل للمستشفي الاميري  لإجراء العلاج الطبيعي كل اسبوع لمدة شهرين لم ينتج عنها أي تحسن ..إلا من غيابي عن المنزل لساعات ..لكن حتي هذا التحسن المعنوي لم أظفر به طويلا ..ففي يوم الجمعة استيقظ أبي  ليحملني إلي حجرتي الجديدة فوق سطح المنزل بحجة أن المقعد يحتاج مساحة ولا يتناسب مع ازدحام الشقة الصغيرة بالاثاث.

نعم.. أثاث خلت منه غرفتي ..فما حاجتي له ..ليظل مقعدي هو الرفيق الوحيد .
وصوت العصافير علي تلك الشجرة العجوز المجاورة لحافة الشباك .
حتي زارها أمس طيفه واصفرت جميع أوراقها بينما صوت بكاء تمتزج بآيات الذكر:(الباقيات الصالحات خير عندربك  ثوابا وخير أملا).

  في الصباح كانت عمتي التي لم ترزق بالأطفال منذ عشرة أعوام زواج ترافقني بمستشفي خاص بالمدينة لتجري لي عملية تركيب جهاز تعويضي.. وتعود العصافير لشجرتي المورقة من جديد .

هام جدا

السادة قراء، وكتاب موقع ورقة - war2h الكرام

خلال أيام يتعرض موقع ورقة للتوقف نظرا لحلول موعد {التجديد السنوي للدومين سيرفر} الخاص بالموقع.

لذلك نطلب من محبي موقع ورقة ومتابعيه قراء وكتاب، بالمساهمة الرمزية لضمان استمرارية دعم الموقع للكتاب الشباب وخدماته المختلفة والمجانية.

للمساهمة من خلال

- فودافون كاش: 01065704571
- اورانج موني: 01277756120

للاستعلام عن الوسائل الأخرى المتاحة

يرجي مراسلتنا عبر واتس اب على اى رقم من الارقام عاليه