ثلاثية محمد ديب - {النول - الحريق - الدار الكبيرة}


ثلاثية محمد ديب - {النول - الحريق - الدار الكبيرة}

ثلاث روايات للأديب الجزائري محمد ديب، تم جمعها في مؤلف واحد وهي تضم أحداث ووقائع جرت في الجزائر إبان الإستعمار الفرنسي ..

معلومات عن الثلاثية من موقع : مجلة دليل الكتاب

صور محمد ديب في ثلاثيته La grande maison (الدار الكبيرة)،L’incendie الحريق،Le métier a tisser (النول)، مرحلة من تاريخ الجزائر بين سنتي 1939-1942. فتجري الأحداث في الجزء الأول بإحدى دور مدينة تلمسان وهي دار سبيطار التي تقطنها العديد من العائلات الجزائرية. بينما ينقلنا في الجزء الثاني إلى عالم الفلاحين بقرية مجاورة لتلمسان وهي بني بوربلان ويصل بنا أخيراً إلى أحد مصانع النسيج ليبين آلام وآمال عماله.

تشكلت صورة الجزائر في الثلاثية من خلال شخوصها الذين أذلهم المستعمر وسلبهم كرامتهم وإنسانيتهم وأراضيهم ليصبحوا أجراء في أراضيهم، إضافة إلى سياسة التفقير التي مارسها المستعمر على الشعب الجزائري. والتي عبر عنها ديب بالخبز Le pain إذ تكون الشخصيات في رحلة بحث عن الخبز. أو الجوع بمفهومه القريب والبعيد. ويستهل روايته الدار الكبيرة بجملة " أعطني قطعة خبز"(11). وهكذا يتابع الأطفال في المدرسة رحلة بحثهم عن الخبز، منبهرين بما يخبرهم به الفتى صاحب المكانة العالية إدريس خوجا عن أكله، فيقول الكاتب:" كان الأطفال يقفون زائغي الأبصار مبهوتين وهم يستمعون إلى حديثه المليء بذكر هاته الأطعمة.. إن الأعين كلها تشخص إليه وتفحصه تفحصاً غريباً ويسأله أحدهم: أكلت وحدك قطعة كبيرة من اللحم هكذا؟ أكلتُ وحدي قطعة من اللحم هكذا. وخوخا مجففا؟ وخوخا مجففا.."(12). لقد قتل الجوع في أولئك الأطفال أحلامهم التي لم تعد تتعدى الحصول على قطعة خبز. وبمقابل حديث إدريس عن الأطعمة المختلفة، نجد عيني والدة عمر بطل الرواية " تصب في طبق معدني كبير الحساء المغلي، وهو حساء بالشعيرية المفتتة والخضار ولا شيء غير هذا.. ويبلغ الأمر في كثير من الأحيان أن تكتفي بصب الماء في الحلة، فيظل يغلي لغاية ما يأخذ الكرى بأجفان أطفالها، وكانت تلجأ لها نساء كثيرات.. وبهذا كانت أُسر الدار الكبيرة تخادع الجوع ويخادعها الجوع مرات عديدة، فحياتهم تنقضي في خداع الجوع.."(13). إنها الإنسانية المهانة من الاستعمار فإذا الشخصيات في دار سبيطار تتحول إلى كائنات بلا كيان، حلمها وشبحها هو الخبز وكيفية الحصول عليه. ولأنهم لا يحصلون عليه فهم يتحايلون عليه. يقول:" كانت عيني فيما مضى من زمان، تستطيع أن تهدئهم بحيلة ماكرة، كانوا يومئذ صغاراً كان يكفي أن يكون عندها قليل من فحم عند المساء حتى تملأ الحلة ماء وتدع الماء يغلي على النار وتطلب إلى أولادها الذين ينتظرون بفارغ الصبر أن يهدأ وتقول لهم : اصبروا قليلا.. فيغلبهم نعاس لا حيلة لهم فيه"(14). وتواصل الشخصيات صراعها مع الجوع ومخططاتها لكي تهزمه عن طريق التقشف في المال الزهيد الذي تجنيه مريم وعيوشة. يقول ديب:"ربما استطعنا أن نشتري قليلاً من اللحم من حين لآخر أليس كذلك يا أمي؟ ربما نستطيع أن نشتري بيضاً إنه أرخص ثمناً من اللحم ما رأيكم أنتم؟"(15). ويواصل الروائي رحلته مع عائلة (عيني) التي تحاول التصرف بذاك المبلغ البسيط من المال، فيبرز رأي عمر ووالدته (عيني) اللذان يرفضان رأي الفتاتين فيقول ديب:" لكن عيني وإبنها عمر يرفضان رأي الفتاتين ويصران على أن ضآلة المبلغ الذي يجنيانه من عملهما لا يكاد يغطي مصاريف الدقيق الواجب شراؤه كل يوم. والخبز عند عمر كل شيء ويجب الحصول عليه.. إن أحلامه لا تذهب إلى أبعد من هذا.."(16). وهكذا شكل الجوع مدار الجزء الأول من ثلاثية ديب ليبدأ الجزء الثاني (الحريق) عام 1954. إنه عام الثورة وهو أيضا عام لم يخل من الجوع، إذ يستهل الروائي هذا الجزء بالحديث عن الجوع فتسأل (ماما) زوجة (قارة الثري) عمر"أأنت جائع؟ نعم"(17). وهكذا يقدم ديب الوضع العام للفلاحين وهم يقدمون خيرات أرضهم للمستعمر كما يصف حالة فقرهم الذي تبينه أكواخهم. ويظل الجوع يطاردهم وهم يعملون بأجور زهيدة جداً ويبدأ الحديث عن الجوع يضمحل في الجزء الثالث (النول) رغم الفقر الذي يستمر بين العمال حيث" تبدو ظاهرة الفقر مرسومة على ملامح عمال النسيج بالرغم من حصولهم على الأجرة كل شهر.. فهل استطاع أحدهم أن يغير من حالته المادية منذ دخل مصنع النسيج؟ دخل فقيراً معدما ولايزال فقيراً وقد بلغت رأفة العمال على ما هم فيه من عوز أن راح بعضهم ينظر إلى عمر نظرة إشفاق واحتقار يوم دخل المصنع فهم يعلمون مسبقا أن مصير عمر يشبه مصيرهم، سيظل فقيراً مثلما دخل فقيرا"(18). فقد تركعمر الدراسة ليلتحق بالعمل في المصنع في سن مبكرة. إنه الجوع مرة أخرى يهدد الكبار والصغار. وقد برع ديب في تصوير بؤس العمال. هذا البؤس الذي ارتبط بمحاولات المستعمر للقضاء على شخصية الجزائريين من خلال سياسة التجويع والقهر الدائمين. ومن خلال عمال مصنع النسيج، تتواصل المطالبة بالشخصية الوطنية والبحث عن الهوية فيصرخ أحد العمال حمدوش: "أنتم الشعب. الشعب الذي يصنع كل شيء ويعلم كل شيء"(19). لقد صارت هذه الشخصيات أكثر وعياً بمصيرها ومطالبها التي تتعدى الحصول على الخبز. بل هو الوطن المغتصب الذي على الجميع أن يسعى لاستعادته.

وهكذا فإن صورة الجزائر في ثلاثية محمد ديب لم تكتمل إلا بحديثه عن هويتها وعن الشعور بالوطنية الذي أظهرته شخصيات الثلاثية. يقول ديب:".. وما السر في اختيار عنوان الدرس والوطن. لماذا اغتاظ عمر عندما سمع إبراهيم ينطلق كالببغاء، فرنسا هي أمنا الوطن. هل كان يعلم أن فرنسا ليست بوطنه الحقيقي؟"(20). لقد أراد ديب أن يبين مدى تمسك الجزائريين بهويتهم وبوطنهم. يقول:" قال المعلم حسن: الوطن هو أرض الآباء، هو البلد الذي نسكنه منذ أجيال، هو كل ما على هذه الأرض من سكان وكل ما يوجد فيها بوجه الإجمال. ذلك هو الوطن وتلك هي شروط الوطنية فهل لعمر وطن وأين هو؟"(21). إن المعلم حسن يسعى لإيضاح مفهوم الوطن للأطفال، فشخصيات ديب صارت أكثر نضجا وإيمانا بأن الشعب وحده القادر على التغيير وإخراج المستعمر. إنها ثقته التي وضعها في شخصياته مصوراً بطولتها وهذا يجعل صورة البطولة في الثلاثية جماعية.

ومن هنا فقد كتب محمد ديب ثلاثيته محاولاً إبراز موقفه من ظروف الجزائر أثناء الفترة الاستعمارية راصداً الحالة الاجتماعية والسياسية آنذاك.

ومن الدلائل التي تؤكد الروح العربية والجزائرية للثلاثية، توظيف الروائي للعديد من التعابير العربية بلغة فرنسية. هذه العربية التي أراد الاستعمار وسعى كثيراً إلى القضاء عليها بكل الطرق. يقول ديب:" Maudite .maudis.tes père et mère "(22). (ملعونة. لعن الله أباك وأمك). ويقول:"La fièvre noire t’emporte "(23). (الحمة السوداء تأخذك). ويضيف أيضاً العديد من الكلمات والمصطلحات الجزائرية ومنها:"Tfou"(24). (لفظ يطلق للبصاق).و"Bouh"(25). (لفظ يدل على التحسر في اللهجة الجزائرية). و"Si"(26). (لفظ للدلالة على السيادة يستعمل في دول المغرب العربي). و"couscous"(27). Burnous"(28).Haik... "(29). (أسماء أكل وألبسة شائعة بالجزائر). كما يظهر في الثلاثية تجاهل ديب للحديث عن المستعمر.

ورغم اتخاذه من الفرنسية وسيلة للتعبير، إلا أن روح الثلاثية كانت عربية. وقد أشاد بالثلاثية كل الذين تناولوها بالدراسة مؤكدين على روحها العربية، تقول يمنى العيد : " إنها أجمل ما كتب ديب في الأدب الروائي الجزائري بل من أجمل الروايات في الأدب الواقعي. أقول العربية لأن الثلاثية وإن توسلت الفرنسية لغة، فهي في المنطق وفي روحية التعبير، رواية عربية. لذا لا أجد أي حرج في تقويمها كواحدة من الروايات العربية"(30). لقد غاص محمد ديب في الواقع الجزائري رغم اللغة الفرنسية التي لم يكتب إلا بها مؤكداً أنها ليست انتماء لفرنسا. إنها مجرد وسيلة تعبير، استطاع من خلالها تصوير ظروف الجزائر في فترة حالكة من تاريخها تحت وطأة الاستعمار الفرنسي بكل جبروته .

إن ثلاثية محمد ديب تظل من النصوص الروائية الهامة في الأدب الجزائري، وتظل أيضاً دليلاً على انتمائها لهذا الأدب رغم توظيفها للغة الفرنسية. ويبقى الأدب الجزائري المكتوب بالفرنسية رافداً هاما للثقافة الجزائرية.