عمرو عاطف - صورة النساء {1}

صورةُ النِساء {1}نصوصٌ أدبية في المرأة ِ والمجازِ والفن ِوالحياةْ


تصدير; "أين الكاتبُ الذي يُرينا جَمالاً، كجمالٍ نراه في عينِ المرأة؟!" وِليم شِكسبير

إذاً.. فالكتابة الحياة!

استسلمتُ مُنذ صغري لهذه الحقيقة، التي ربما هي من أكثر الحقائق في حياتي ترسخاُ، وأكثرها جلباً.. للوجع..

الكتابة ليست عملاً سهلاً أبداً، فهي تتطلب تنازلاً كبيراُ من الكاتب عن حقه في سرية الألم، عن البكاء في الأركان الخفية من الليل.. عن إظهار الشجاعة البشرية تُخفي وراءها ما يتكون منه الإنسان من ضعف، ورغبةٍ، وحنينٍ، وأحلامٍ تجره وراءها جراُ، فيظل وراءها قابعاً ما عاش، تظهر في حركة عينيه إلى الكون، في حركة يديه المرتعشة في السلام، في نظرته للقمر في الليلة القمراء، في استماعه لأغنية ما، صاخبة، لاذعة الموسيقي، مُتسارعة النوتة، ليقفز معها عالياً، ويرقص في صخبٍ وسرعة وحيوية، وما الرقص إلا بكاء الجسد في دورة البكاء الكونية الهائلة.

وعلى الكاتب مثل ذلك، لكن قدره في أن يكون كاتباً قد حوله لشيءٍ من زجاج، زجاجي الرؤية وزجاجي الملمس، أو قطعة فلين تُعصر فتخرج ما  في داخلها بكل سهولة، وعليه – في كل مرةٍ – أن يبكي علي جبلٍ أو فوق ساحة مسرح، لكي يراه الناس جميعاً، فيصفق له البعض تصفيقاً شديداً تطرب له الأذن وتعلو له الهمم، وتسمح للقلب أن يتعزى عما أعتصر من دموع كانت يوماُ ما وقوداً لذلك القلب. ويبدأ آخرون بالسخرية من هذا الذي يدعي أنه يفهم أكثر من غيره، ويحس أكثر من غيره، بل ويحول نفسه إلى آلة للبكاء العلني. ويلعنون في داخلهم ذلك الذي يصارحهم في وجوههم بالحقيقة التي من أجلها قتلوا لياليهم، ووئدوا أقمارهم، وأحرقوا ذكرياتهم العنقاء مرة تلو المرة بلا فائدة. اقتلوا ذلك المتنبئ الساذج، اقتلوا ذلك الذي يريد أن يدمر حياتنا الهادئة الجميلة..

اقتلوا ذلك العبقري!!

وآخرون في ذلك الركن المنسي من الذاكرة، يتذكرون، ولا يقدرون علي النسيان إلا كما تقدر الرياح على رمال التلال، يجدون في كلامي المأوى، وفي بكائي الترياق الشافي، يتجرعونه في كل ليلٍ كي يكون الليل أكثر رفقاً، ويلتزمون به علاجاً يقودهم إلى موت أقل ألماً، وأكثر عبقرية. هؤلاء هم أهلي وخاصتي، وهؤلاء هم من أُغنَّي إليهم، وأغنى بهم عن كل الدنيا وكل الاحتفاء، هؤلاء هم غاية الفن!

كذلكَ كُنتُ منذ جُبلتُ وحتى عرفتُ عن وجودكِ، وعرفتُ أن ليس للكونِ من معنى، وليس للفنِ من غايةِ إن لم يكن لكِ، وعنكِ، ومِنكِ. من أنتِ؟! في السماوات حين تُزجي الرياح سحابكِ الغريب، في الليلة الصيفية تُذكرني بكل شيء دُفعة واحدة في دفقةٍ واحدة، في بسمةِ امرأةٍ تعبر طريقاُ مُزدحماً تجاهكَ، وفي الحياة انتظاراً للحياة. من أنتِ في كل ذلك؟ لا أدري.. ما هو كنهكِ وكيف شكلكِ، ليس لي علمٌ بذلك. أتخيلُ جسدك القصير المعتدل، وعينيك الواسعتين الصافيتين، وضحكتكِ التي  تملأ الكون بالأمل، وشفتيكِ التي أتخيلهما الغاية من خلقِ السماوات والأرض، وأستقر إلى تلك الصورة، وأركن إلى صورة النساء وصورة الفن وصورة المجاز في تلك الصورة الرائعة التي رسمها لكِ النيل في ليلةٍ رائقة. ولكن عقلي الحائر الثائر ما يلبثُ أن يحول صورتك تلك إلى سهول، ووديانٍ تمرح فيها غزلان بريةً تملؤها الصحة، وصحراء شاسعة تأكل منها النباتات وتعتصر منها الحياة، وتقذف بها الرياح غبار الكائنات لتعيد دورة حياتي أنا من دورة حياة "عمر بن أبي ربيعة"! وأبحرٌ واسعةٌ تبحر نحو الأفق. أتخيلكِ مولدي، وأمي التي أرضعتني إكسير الحياة ينزل طازجاً من السماوات، وأتخيلكِ حلم مراهقةٍ عصبياً لذيذاً، يهز الكون من أركانه ويملؤني شوقاً وخطيئةً وندماً وحباً، وأًتخيلكِ صديقةً لطيفة، شاطئاً لجزيرة مهجورة، أو جواباً عن سؤالٍ في الكيمياء. وأتخيلكِ غُربةً، ووحشةً، وكائناً ملعوناً يستحق الرجم، أو كأساً من الخمر تلعنه ولا تقدر أن تفارقه. وأتخيلكِ بيتاً – صغيراً – دافئاً، وراحةً لعقلٍ كان يعملُ طوال النهار، وأتخيلك شيئاً بشرياً صغيراً من أمكِ يؤكل مع المكسرات.. وأتخيلكِ – ويالجمالِ – مثلَ دمعة!

ولكن في كلٍ أرى فيكِ الحيرة، وأرى فيكِ سعي علماء الجيولوجيا في التنقيب عن الحفائر، وسعي المفكرين في تعريف علم الفلسفة، وأرى فيكِ الموال.. وليس الإنسانُ سوى حفارٍ، وسوى فيلسوفٍ ، وسوى مغني، وليس سوى هؤلاءِ إلا من ينعقُ بما لا يسمعُ إلا دعاءاً ونداءا.

لذلك فقد وجدت فيكِ، في صوتكِ، في صمتكِ، في بحثي عنكِ وفي نفسي التي تحملكِ معنى الفن والأدب والمجاز، حتى وإن لم يكن لكِ انعكاس تامٌ في الطبيعة، فأنتِ - بطريقة ما – قد تشكلت أجزاءك فملئت الطبيعةَ كلها، بمختلف أشكالها ونواقضها بك، بكِ وحدكِ. ولذا قررتُ أن أكتبَ عنكِ.

من أنتِ؟! لا أدري، لكنني متأكدٌ أنني سأعرفُ يوماً ما، عندما يصيرُ قطار العمرِ إلى المحطة الأخيرة، وأنظر إلى ما كتبتُ في الحياةِ مجمعاً، وأصيحُ في بهجة غامرة: ها قد عثرت عليكِ.. وأشكرُ الله العظيم على أن رزقني بكِ دُنيا تُعاش. ثم سأنام بجانبكِ للمرة الأخيرة، لتحتضنينني مرافقةً لي إلى دنيا الخلود، إليكِ أنتِ أيتها الحياة، أيتها الفانية، أيتها الخالدة.