نيكوس كازانتزاكيس - زوربا اليوناني


نيكوس كازانتزاكيس - زوربا اليوناني 

نحن أمام عمل فريد , عمل مذهل بجميع المقاييس . لم تكن مجرد رواية عظيمة لأديب عظيم , بل كانت صرخة , صرخة مدوية لكافة البشر فى كل مكان وكل زمان . رسالة بالغة القوة موجهة بالخصوص لمعشر المثقفين .

أن الحياة هى المعلم الأكبر والتجارب هي الذخيرة الحية الباقية لك لكي تستطيع أن تدافع عن وجودك وتترك بصمتك .

عمل عالمي من الطراز الرفيع : موجه لك شعب ولكل أمة ولكل ثقافة , مهما اختلفت تلك المجتمعات بينها وبين بعضها .

ببساطة مطلقة العمل يقدم لك مواجهة بين الإنسان بطبيعته وسليقته وبين الإنسان عندما تصبغ عليه المدنية قشرة زائفة توهمه بحكمة ما ومعرفة ما , سرعان ما يظهر زيفها عند اول معركة حياتية .

زوربا : هو الإنسان الحقيقي , من عاش الحياة طولًا وعرضًا , وخبر الناس من كل مكان ولم يتردد لوهلة عن تنفيذ ما يخطر في باله , حتى وإن آذى نفسه ؟ نعم , حتى وإن خسر من يحبهم ؟ نعم , كل المهم عنده أنه لم يخسر نفسه .

يعيش حياته مدفوعا بغريزة إنسانية موجودة بداخل كل واحد مننا ولكننا نجبن من أن نستخدمها , خوفًا على حياة رسمنها فى ذهننا ولكن رسمنا لها رسم مزيف خادع , فلقد عشنا في الحياة دون أن نعيشها .

 الرواية عن مقابلة غريبة مريبة بين رجلين شتان ما بين طابع كل منهما , ولكن يتناسقان مع بعضها فى لوحة إنسانية من أكمل ما تكون .

فيقول الكاتب عن شخص زوربا : ( أدركت أن زوربا هو هذا الإنسان الذي كنت زمنًا طويلًا أبحث عنه ولا أعثر عليه : إنه قلب نابض بالحياة , وحنجرة دافئة , ونفسُعظيمة برية على طبيعتها , لم ينقطع الحبل السري بعد بينها وبين أمها الأرض , ما هو جوهر الفن ؟ أليس هو عشق الجمال ؟ أليس هو الطهارة والعاطفة الجامحة؟ ... إن هذا العمل (البسيط) قد فسر لي هذا الجوهر , وأوضحه من خلال كلماته البسيطة التي تنضح بالإنسانية. ) ليلخص لنا ما مثلتها له تلك الشخصية الفريدة.

رسمه لعشق زوربا للموسيقى كان مذهل , فليس غريب أن يُلحن لها الأوبرا و يعزف مقطوعاته التي حملت إسمه أعظم العازفين فى التاريخ وتكون رقصته عنوان عالمي للتعارف بين الشعوب , (أندريه ريو كان عملها روعة ) وغيره .

وصف الكاتب للطبيعة كان خلاب ومذهل ودمجه فى ثنايا العمل الأدبي وتوصيفه لها كان بديع . ومن جميل ما قاله مثلا وصفه لشاطئ فى كريت فيقول : ( كان هذا الكريتي مماثلا للنثر الجيد : صياغته محبوكة , موجز فى كلمات قليلة , متحرر من الثراء اللفظي والطنطنة التي لا ضرورة لها , قوي متماسك . كما أن صياغته لجوهر الأشياء تتم بأيسر الوسائل, ليس به تلاعب ولا حذلقة , ولا يميل لاستخدام حيل بعينها ولا يلجأ إلى البلاغة والمحسنات البديعية , إنه يقول ما يريد قوله بصلابة رجولية, ولكن وسط ذلك كله تجد اللطف والوداعة والرقة غير المتوقعة , ففي الأخاديد والتجاويف المحجوبة عن الرياح , كان يتضوع أريج أشجار الليمون والبرتقال, وعلى مبعدة من البحر الممتد الشاسع كانت تنثال أشعار لا ينضب لها معين ) ليكون مزج الطبيعة من أجمل ما يكون.