نورثروب فراي - المدونة الكبرى : الكتاب المقدس والأدب

نورثروب فراي - المدونة الكبرى : الكتاب المقدس والأدب

يحاول هذا الكتاب دراسة الكتاب المقدس من وجهة نظر ناقد أدبي. أردت في الأصل أن أجري مسحاً استقرائياً عميقاً بحق للصورة الفنية والسرد في الكتاب المقدس، مشفوعة بتفسير للكيفية التي أنشأت فيها هذه العناصر في الكتاب المقدس إطاراً خيالياً، أو عالماً أسطورياً كما أسميه، بقي الأدب الغربي يشتغل ضمنه وصولاً حتى القرن الثامن عشر، وما زال يشتغل ضمنه إلى حد كبير. لم يغب عن ناظري هذا الهدف، لكنه تراجع عبر عملية كنت قد جربتها من قبل، وكانت نتيجتها كتابة "تشريح النقد" (1957). فقد اتسعت بعض الأسئلة الأولية، التي كنت أعتقد أنها ستقتصر على فصل أو فصلين تمهيديين، أولاً إلى مقدمة هيغلية مستفيضة، وأخيراً إلى كتاب قائم بذاته. وبعد تفكير ملي، قررت أن أستبعد العنوان المهلهل: "الجزء الأول" من صفحة الغلاف، لأنني أريد لأي كتاب أنشره أن يكون وحدة مكتملة في ذاته. مع ذلك فإن الجزء الثاني قيد الإعداد الدؤوب، ويمكن اعتبار هذه المقدمة مقدمة له أيضاً إلى حد ما.
ليس الكتاب الحالي عملاً يعنى بالدراسة الأكاديمية للكتاب المقدس، كما لا يريد أن يكون عملاً عن اللاهوت: بل لا يعبر إلا عن مواجهتي الشخصية مع الكتاب المقدس، ولا يزعم عند أية نقطة أنه يتحدث باسم سلطة إجماع أكاديمي. وليس لدي جواب مباشر عن السؤال المتعلق بسبب وجوده على الإطلاق، لكني أستطيع أن أفسر فقط كيف جاء إلى الوجود. لقد بدأ اهتمامي بالموضوع في بواكير أيامي الأولى كأستاذ مبتدئ حين وجدت نفسي أدرس ملتون وأكتب عن بليك، وهما مؤلفان كانا كتابيين على نحو استثنائي حتى من خلال معايير الأدب الإنجليزي. وسرعان ما أدركت أن دارس الأدب الإنجليزي الذي لا يعرف الكتاب المقدس لن يفهم قدراً كبيراً مما يجري فيما يقرأ: بل يسيء أكثر التلاميذ فطنة فهم المضامين باستمرار ويسيء فهم المعنى أيضاًز وهكذا قدمت فصلاً دراسياً عن "الكتاب المقدس الإنجليزي" كدليل لدراسة الأدب الإنجليزي، كأفضل طريقة ناجعة في تعلمه لي أنا نفسي.
كان هدفي الأول يقتصر على أن أوفر للطلاب معلومات كافية عن الكتاب المقدس لتمكينهم من رؤية التأثير الأدبي الذي مارسه. وكان لا بد أن يتألف هذا، في الجوهر، من فصل دراسي على شكل "ملاحظات" معنية بالتلميح والنسيج. على سبيل المثال، برغم أن بيت بليك: "أيتها الأرض، أيتها الأرض عودي" لا يحتوي إلا على خمس كلمات، ثلاث كلمات منها تختلف، فإنه يحتوي أيضاً على سبعة تلميحات مباشرة للكتاب المقدس. وبقيت أصداء إيقاعات ترجمة عام 1611 تتردد باستمرار لدى كثير من مؤلفي القرن التاسع عشر، محدثة أثراً يشبه كثيراً أصداء الأمثال الشعبية في كتابات ثقافات أخرى. غير أن التلميح والنسيج لم يكونا أساساً كافياً لدورة تعليمية، فكان يجب أن أنتقل إلى أرض أخرى أكثر صلابة.