معتز خالد حسين - حين كبرت



 معتز خالد حسين

أتذكر تلك الأيام التي كنت أفكر فيها ، الهرب من المنزل ، و قد خططت جدياً وقتها للهرب ، و جهزت حقائبي ، و شحذت أقلامي ، و كنت وقتها جاداً في مبتغاي ؛ حتي أني ودعت أهلي ؛ دون أن يدروا مقاصدي ، و تفكرت و انشغلت بوضع مسيرتي ، و جمعت المعلومات عن دربي ؛ لأصل إلي مقصدي ، النهرُ  ، حيثما نويت أن آخذ مركباً صغيراً و أبحرُ !  و كنت قد علمتُ من قبلها أن مكاناً لتصليح السفن ، قريبٌ منا ، و كانوا يلقبونه ( الترسانة ) ، و كنت قد قررت أيضاً أن آخذ مركباً صغيراً من هناك ، من المؤكد أن ألقي مركب صغير في موطن تصليح المراكب الكبيرة .

أخذتُ حقيبتي المملؤة بممتلكاتي ، و تأكدت من نوم الجميع ، ثم تحركتُ بخطيَّ هادئة ؛ خوفاً من صحو أحدهم ، و تجنباً للخطر الذي قد يقعُ علي مخططي فيعطله ، بالرغم من قلقي إلا أني كنت سعيداً ؛ فبعد ثواني سأصل إلي الباب و أخرجُ للنهرِ ، أنفذُ قراري الذي أخذت ، و مخططي الذي وضعت ، و الذي يعد أول قرارٍ لي و أولي مخططاتي .

فلما وصلت للباب ، وجدت شيئاً حديدياً - والله أعلم - يعلوني بكثير ، كنت أسمعهم يطلقون عليها ( أوكرة ) ، و كانت تلك الأوكرة من أهم اكتشافاتي في الثلاث أعوام الماضية ، لما علمتُ أنها مثل الكلمات السحرية التي تفتح الأبواب و الحوائط لتكشف عما ورائها ، فوضعت في عقلي أن الأوكرة هي البديل للكلمات السحرية ، الكلمات الفاتحة لما اُغلِقَ .

مللتُ من طول النظر إلي هذه الأوكرة الحديدية التي لم تصل إليها يدي ، شيئاً لم أحسبه ؛ لا أوقنُ إن كنت أنا القصير ؟ أم أن من وضع الأوكرة وضعها في موضعٍ مرتفع ؟ لم أقفُ كثيراً وقتها عند تساؤلاتي تلك ، فقد انشغلتُ بقلقي ، و شعوري بالخطر ، فلا يوجد شيءٌ قريب لأصعد عليه و أحَدثُ الأوكرة بيدي لتفتح الباب ، و لكن شعوري بالخطر و الخوف لم يجعلني أفقدُ تركيز عقلي علي حل هذه المشكلة ، و بدأت أستدعي بعضٌ من الخبرات التي راكمتها بعقلي في تلك الأعوام المنصرمة ، حتي أتتني فكرة أن أجلب صندوقاً خشبياً كان عندي ، و لكنه صغير الحجم لن يُحدِثَ فارقٌ يُذكر ، فطردتُ الفكرة تلك من عقلي شر طردتةً .

مازلتُ أستدعي الخبرات ، و الأفكار ، حتي رأيتُ طاولة خشبية كانت عندنا ، فقررت أن آتي بها و أصعد فوقهاُ ، ولكن كيف و هي ثقيلةٌ ! كان لدي ظنٌ أن أي محاولةً مني لجلب الطاولة ستُحدثُ صوتٌ عالٍ  ، و سيصحو كل من في المنزل ، و في كل الأحوال قراري لن يُنفذ ، و مخططي صار مجرد وهم ، محاولتي الأولي للخروج باءت بالفشل ، ظللت واقفاً و كل هذا في رأسي دون أن أتحرك أو أصدرُ صوتاً ، حجزتُ الألم في صدري ليختنق و يموت ، ولأعود إلي سريري لمحاولة النوم و النسيان أو التفكير في ما حدث  .

" فعلت خير " حدثتُ نفسي بتلك الكلمات قبل أن أغفو و بعد تفكير و أرقٍ طويل ، قلت هاتان الكلمتان ثم رحت في نومٍ عميقٍ و مريحٍ ؛ فخلاصة تفكيري ما قبل النوم  أني أحسنت حينما لم آتي بالطاولة الخشبية ؛ فالإتيان بها كان سيسبب الكثير من المتاعب و استيقاظ أحدهم كان سيثير الكثير من التساؤلات ، و الشيء الذي أنتهيتُ له في الأخير ؛ أن تفكري في الشىء أكثر من مرة قبل القيام به ، منجينا ، فتفكري الجيد نجاني من المتاعب و التساؤلات التي كانت ستمطر علي من كل جانب ، و من هنا علمت أن التعقل و التروي - و هي الكلمة التي علمت أنها تساوي التفكر الجيد في الأفعال - هو الأوكرة لأبواب الحياة الآمنة و الهادئة ، الداعية للتأمل ! و لما رأيت تعقلي علمت أنني تغيرت ، فلما تعقلتُ ، كَبرتُ ، لمَ لا ! و الكبارُ دائماً يحدثون بعضهم بكلمات التعقل و الهدوء و الصبر و التروي ، أكثر ما يحدثون بعضهم عن أنفسهم ! هذا شيءٌ عادلٌ مثلي كمثلهم ؛ أنا تعقلت في موقفي هذا فصرتُ من اليوم واحداً منهم .

أنظر الأن إلي ذلك اليوم بأنه تجربة صغيرة ولكن وقتها كانت تجربة كبيرة ، ما يهم ليس إن كانت تجربة - موقف - كبيرة أو صغيرة ، الأهم هو أن التجربة حدثت بالفعل ، بكل ما لها حدثت ، و بكل ما عليها حدثت ، و بكل ما تعلمناه منها ، لما أعيد النظر الأن أجد أني تأثرتُ بفشل مخططي الساذج ذلك ، بالإيجاب و السلب ، الموقف أثري عقلي ، و ساهم في تشكيل وعيّ في الأعوام التالية عليه ، و أكاد أوقن من أن مخططي هذا لم يكن ذا أهمية في نفسي في ذلك الوقت ؛ بل كل ما في الأمر أنني كنت أريدُ التجريب ؛ تجريب التقرير ، و التخطيط ، و التنفيذ ، لم أكن أعبأ بإذا كنت سأنجحُ إم لا ! بل كل ما كان في رأسي هو أن أجرب ، و شعرتُ بالسعادة أثناء التجربة ، و فشل التجربة و التخطيط ، لم يصنعُ من ضلعي الحزنُ ؛ سوي دقائق ، بل خلق الفشل من ضلعي شخصٌ يتلذذ ! كل ما يفعله التلذذ ! يتلذذ بالتجربة مهما كانت نتائجها ؛ و التجارب كلها مفيدة ؛ فهي ما تشكلُ خبرتنا ، و معرفتنا ، و إدركنا ،  و وعيُّنا ؛ و هما ما يشكلان هويتنا و شخصياتنا  ، و الأفراد يختلفون طبقاً لتجاربهم ؛ فالإختلافُ منبعه التجربة ؛ فتجاربك التي خضت هي مُنشئِك ، و صانعك ، هذا شيءٌ لا نشعر به و نحن نفعله بل هي في غريزتنا ؛ فالتجربة هي سيدة غرائز الإنسان .

كانت تلك التجربة في وقتٍ بعيدٍ من عمري لا أذكر إن كنت تعديت الخمس الأوائل أم لا؟ لقد بنيتُ قاعدة نضجي علي تلك التجربة السخيفة ! تجربةٌ انتهت بيّ إلي الاِتِّئَاد (التروي) و الهدوء ؛ صفتان اكتسبتها من تجربةٍ سخيفة ، و بنيت علي الصفتين كل نضجي فالأثنين ساعداني في النظر للحياة بهدوءٍ  ، بجانب أن التجربة لا تتوقف إلا بتوقف القلب عن الضخ .