حسن غريب - مشاعر شديدة الخصوصية وعميقة التذويت الفني في مجموعة (الباب الكبير)




مشاعر شديدة الخصوصية وعميقة التذويت الفني في مجموعة (الباب الكبير) القصصية للقاص يسرى أبو العينين

بقلم : حسن غريب
       كاتب وناقد 

القاص المبدع الأستاذ يسرى أبو العينين الذى قدم لى هذه المجموعة القصصية ( الباب الكبير ) و التى صدرت عن سلسلة نصوص 90 – و نصوص 90 هى جماعة أدبية جديدة .
لقد كتب المبدع يسرى أبو العينين القصص القصيرة و الرواية و قصص الأطفال و هو خريج كلية الزراعة جامعة القاهرة عام 1978 م ، و له مجموعة أخرى بعنوان _ " صهد الفرن " 
و عندما نقترب من عالم الأديب ففى الحقيقة مجموعته ( الباب الكبير ) تشى بموهبة أصيلة ، استطاع الكاتب أن يقدم نفسه بشكل ينم عن تمكن فى أدواته و فى رؤيته الجمالية التى يقدمها للعالم فنلاحظ فى هذه المجموعة أنه يقدم لنا عالم يسخر بالحياة و شكل جديد لمعنى القاص لأنه لا يحكى لنا حدوته تقليدية و لكنه يقدم لنا حالة إنسانية ومن خلال هذه الحالة الإنسانية يبين لنا توزع الأزمنة المختلفة التى يقدمها . 
و سنلاحظ هذا من خلال التحليل القصصى للمجموعة لأنها مجموعة تتضمن إحدى عشر قصة ، القصة الأولى من المجموعة تتحدث عن حيوان شرس طليق و هى بعنوان " حيوان شرس طليق " و فيها يرصد الكاتب نمط الإنسان المذعور الخائف الذى يعيش فى الطرقات و بعض الناس يتخيل أنه يطارده فيقدم لنا المشاعر شديدة الخصوصية المرتبطة بالخوف ، إذن هو يهتم بالمشاعر الداخلية الإنسانية و يعيد تركيب بناء القصة التى يتناولها من خلال ترتيب الأحداث .
فمثلاً القصة الأولى ( حيوان شرس طليق ) يمكن قراءتها على مستويين ، مستوى إنها تمثل الخوف بوصفه أنه يأتى من الخارج و المستوى الثانى هو الخوف حينما يصبح شيئاً دفيناً داخل النفس .
فى القصة الثانية و هى قصة جميلة للغاية بعنوان " اختناق الدموع و التوقع " فى هذه القصة تتحدث عن إنسان غاب عن مكان طفولته فترة طويلة و حين يأوب إليه يحاول أن يذهب إلى الأماكن التى تشكل عناصر الأمان بالنسبة له فيذهب للمدرس الذى كان يعلمه القراءة و الكتابة و يعلمه أيضاً الحياة و تفتح الحواس و قراءة الوجود ، فحينما يذهب إليه يجده قد مات و يجد العالم قد تغير و هنا نلاحظ أن الشخصية تحاول أن تقهر الاقتراب الذى تعيشه بأن تهرب إلى زمن الطفولة لأن هذا الزمن يمثل البراءة و يمثل الصفاء و هنا نلاحظ أن تقنية الكاتب تعتمد على توزع الزمن و إعادة تركيب الأحداث بحيث يستخلص من خلالها المغزى النهائى الذى يتوصل إليه و يستخدم فيها بعض الحوار أيضاً فتتميز قصصه بتدفق حى يشابه تدفق الحياة اليومية ، دائماً قصصه فيها الانفعال الذى يذكرنا بقصص يوسف إدريس فى انفعالها الصاخب بالحياة فدائماً كل قصة يقدم لنا الانفعال لدرجة أن بنية الجملة تعتمد على ما نسميه البنية الشفهية المسموعة و ليس البنية البصرية و لذلك فإن قصصه يمكن أن تسمع على النحو الذى كنا نجده أيضاً فى قصص " يحيى الطاهر عبد الله """ عندما كان يجعل من الحاكى شيئا مسموعاً ، إذن هذا الأديب قد أفاد من تاريخ القصة و ممن سبقوه فى كتابه القصة القصيرة و أستوعبها ، و لذلك حاول أن يجد شكله الخاص فى القصة .
عالم الكاتب القصصى :مشاعر شديدة الخصوصية :تقنية الكاتب فى تركيب الأحداث :نقل الكاتب للمكنون الداخلى : 
و فى القصة الثالثة يتناول 
( الأخرس ) ومن خلال اللغات المختلفة التى يستخدمها غير لغة الكلام فيقدم لنا طفل أخرس يلجأ للبكاء لأنها لغته الوحيدة للتعبير عن نفسه وقتما يضيق به الألم ووقتما يضيق به الوجع الذى يعيشه ثم يستخدم لغة اخرى من لغة الصم و هى هزة الرأس حينما يعجب بفتاة جميلة فكان يهز لها رأسه فأرادت أن تتعلم منه لغة الإشارات و هى تعلمه التهجى للعالم ، لذلك نلاحظ فى قصة ( الأخرس ) تبين مدى تمكن الكاتب فى أن ينقل لنا المكنون الداخلى لعالم الأخرس و كيف يطرح نفسه عبر لغة أخرى .
فى هذه القصة أيضاً يحدثنا الكاتب عن ضمة أم الأخرس و كيف كانت معيناً له عندما يعجز الآخرون عن فهمه كان يلقى نفسه على صدرها فيجد أنها دموعها تنساب على خديها فيشعر بالتواصل و الائتلاف مع الحياة
المشاعر الإنسانية العميقة لدى الكاتب : 
أعتقد أن قصص ( يسرى أبو العينين ) فى معظمها كان فيها هذا الزخم بالحياة و مشاعر إنسانية رقيقة جداً و فى معظم القصص يحاول أن يقترب من هذه المشاعر الإنسانية العميقة التى يبحث عنها كما ذكرت فى قصة " اختناق الدمع و التوقع " فى البحث عن الأستاذ الذى كان يعلمه و الحنين لزمن الماضى و المشاعر الجميلة ، أدوات الكاتب فى رصد اللغة الرمزية : 
أما القصة التالية و هى ( الباب الكبير ) و التى تحمل المجموعة عنوانها ، ففى هذه القصة يتحدث الكاتب عن طفل يشهد انتقال الأسرة من مسكن إلى مسكن آخر وما يمثل هذا الانتقال لإيجاد مساحة من البراح التى يمكن أن تكون مسرحاً لتفتح الطفل و اللعب و جريانه فى الحياة .
يرصد الكاتب و يركز على الفرح الذى لا يجد الإنسان لغة للتعبير عنه سوى البكاء مع ملاحظة البكاء هنا بوصفه لغة رمزية تتكرر طوال المجموعة كأنها تعبير عن عجز الكلمات عندما يستشعره المرء من مواقف و هى نوع من أدوات الكاتب فى التعبير و لذلك ففى قصة ( الباب الكبير ) كان حلمهم أن تنتقل الأسرة لمسكن جديد له باب كبير لكن حينما يلجأون إليه يجدون أن صاحب البيت أصر أن يكون هو الذي يطل على الحارة وليس على الباب الكبير فأصيبوا بإحباط وبخيبة أمل لأنه لم يكن تحقيق الحلم وهو وجود براح ومساحة واسعة ترتبط بهذا ، كما ألاحظ هنا أن الكاتب يقترب من التعبير عن الفرح الداخلي عن الإحساس بالعالم عن الحوار بين الشخصية والكائنات من حوله ، هذا ما يريد أن يتحدث عنه وأيضا فى قصة " الرقص فوق إسفلت مبلول " ففى هذه القصة يصور عالم الطفولة و الخضوع للغواية و يحاول أن يتعرف على الأشياء لما تتيح من ثقب الباب فيرصد حالة من امرأة كانت تراوض الخرافة و تحاول أن تعالج العقم من خلال الأحجبة ، يصور هذا العالم و كيف الأطفال ببراءتهم يكشفون و يفضحون هذه الأشياء لأن عقولهم البسيطة و الفطرية لا تقوى على تصديق هذا العالم الذى يقدمه ، و هنا يقصد البراءة هى التى تكتشف الخدائع دائماً حالة التناغم بين الإنسان و العالم : 
و ألاحظ فى معظم قصص المجموعة إقامة حوار بين حواس الشخصية و بين مفردات المكان و الكون 
فدائماً هناك حالة تناوب بين الإنسان و العالم من حوله فنجد وصف شديد للنباتات و للنهر و الشوارع و للإسفلت و الإحساس بالحياة .
إن أهم ما يميز الكاتب 
( يسرى أبو العينين ) هو الإحساس العميق بالحياة الذى يريد ينقله للقارئ حتى يستشعر أن هناك شفافية فى التواصل بين الإنسان و العالم على نحو غير مسبوق و أن أسلوبه متدفق و انفعالى و يميل إلى شحنة إضافية شديدة و بسيطة . 
و نلاحظ أن النص لديه ذا حركية مستمرة و الجمل بسيطة و تصل للقارئ متواصلة معه على نحو يجعل القارئ مشاركاً تماماً للحالة التى يريد أن ينقلها القاص 
فنلاحظ أن الأفعال تتكرر بشكل يشى بدينامية النص و حركيته و عدم ثباته و لذلك فإن هناك انتقالات عميقة فى كل نص بحيث تكون نقطة البداية تختلف عن نقطة النهاية و تقدم استفساراً جديداً عبر القص الذى يقدمه 
الخيال يحقق الواقعية : 
هناك قصة ( العاقل المتزن ) و يقدم لنا فيها نمط لشخصية تحاول أن تستعيض عن القيام بالفعل فى الواقع و ما تقوم بالفعل فى الخيال 
فشخص عاقل و متزن يواجه ثورة زوجته عليه بأنه يتخيل أنه يرد عليها و يسترد كرامته منها ثم يعود فى البيت لينظر إليها بمحبة بالغة كأنه عن طريق الخيال استطاع أن يقوم بالفعل الذى يعجز أن يقوم عنه بالتنفيس عما يخالف من خلال الحياة 
الشعور الفجائى و التناغم الكونى : 
و فى قصة و هذه اللقطات لا يلتقطها إلا أديب مبدع لأنه يدرك من فرط عاديته الذى لا نستطيع أن نراه و هو هنا يحاول أن يمسك باللحظات التى تستعصى على الكتابة( صدفة ) تحمل حالة و موقف أما الحالة فهو يحاول أن يقبض على هذا الشعور الفجائى الذى قد ينتاب المرء و هو الشعور بالسعادة الفجائية و التناغم مع الكون و رؤية الشوارع كأنه يراها لأول مرة و التقاط الحياة و الدندنة بلحن قديم ثم فجأة يقابل شخصاً كان يعرفه منذ زمن طويل لكنه لا يذكر اسمه فهذا الموقف الملتبس الذى يجعل المرء يقع فى حرج بالغ حينما يلتقى بشخص محبوب كان يعرفه منذ مدة طويلة ثم لا يستطيع تذكر اسمه ، فى ( صدفة ) يبين لنا أن القاص هو التقاط لهذه المشاعر العابرة التى لا يمكن أن تقبض عليها لكنها تواتى الإنسان للحالة الفجائية من الفرح و حينما تقابل إنساناً و لا نتذكر اسمه ، لحظات نادر من الخيال و الحب و الألم : 
و فى قصة " زهرة حمراء بلاستيكية " يقدم لنا فتى فقير لا يستطيع أن يقدم شيئاً لفتاته فيقدم لها زهرة حمراء بلاستيكية و هذه الفتاة تضع الزهرة فى أصيص من الزرع إلى جانب الفل و الياسمين و حينما تمعن النظر إليها تتخيل أنها تنمو لها براعم و تتفتح ، إنها طبيعية ، و هذا ما يريد أن يبينه الكاتب لنا بان الحلم هو الامتداد الطبيعى لتعويض ما يعجز الإنسان فى تحقيقه فى الواقع و هذه القيمة يعزف عليها كثير قصصه مثل ( الحلم – الأمل – التخيل – التنفيس ) الخ .
و يرى أن عالم القاص لابد أن يمتد إلى عالم الخيال عالم العاطفة إلى عالم الإنفعال بالحياة و لا يتوقف عند الأشياء كما هى
و لذلك نلاحظ قصصه إنها تقوم على الزمن و على كشف الداخل و على تصوير الحياة بأشكال مختلتفة ، الموت له أبعاد أخرى لدى الكاتب 
فمثلاً فى قصة ( الموت البرتقالى ) و يقصد بهذا العنوان غروب الشمس متخذة لوناً برتقالياً على هيئة برتقالة عندما تغيب ( موت النهار ) و لذلك فهو فى هذه القصة يقدم لنا مقارنة متوازية بين نمو فتاة و نمو شجرة و هى ترصد نموها و ترصد نمو الشجرة أيضاً وكيف أن الشجرة تنمو و تصبح أوراقها حينما ترتوى من ماء النهر خضراء و لينة و تشعر بملمسها و هى أيضاً عندما تتفتح للحياة .
لكن فجأة يتم إقامة جسر فيقتطعوا هذه الشجرة التى كانت تمثل التواصل و النماء داخل الفتاة و اعتقد أن الكاتب 
من هنا ، سماها ( الموت البرتقالى ) ليشير إلى الشمس و إلى موت الشجرة و إلى انتقال الفتاة من مرحلة الطفولة إلى مرحلة النضج و إدراك الحياة 
أما القصة الأخيرة فهى فى المجموعة فهى تحمل عنوان 
(طيف ) و يقدم لنا الإحساس بالحرية و الصدق بمعنى أنه يقدم لنا شاباً وجد نفسه يمتلك فترة من الوقت يمكن أن يقضيها فى مكان يخصه فيصور لنا الإحساس بالحياة حينما يرتبط بالحرية و لذلك نلاحظ أن الكاتب فى مجمل أعماله يهتم بالإنسان و حريته و الأشكال المختلفة لقهر الاغتراب ، التواصل مع الحياة يريد أن يشعرنا كأن كل قصة قصيرة كأنها قطعة من الحياة تنبض بنبض الحياة و تنفعل بما ننفعل به ، القصة المركبة و انتقال المشهد :
رغم أن القصص قصيرة إلا أننى لاحظت القصص طويلة بعض الشئ فهناك قصص أكثر من عشر صفحات و هناك قصص خمس صفحات و هكذا .
، فهى تعتبر قصص طويلة و ليست قصيرة و هذا يرجع إلى أن القاص يعتمد فى كتابته على تقديم القصة المركبة و ليست القصة البسيطة لأنه يقدم لنا دائماً المشهد من خلال طفل ثم ينتقل المشهد من خلال الرجل الناضج ثم ينتقل من خلال الشاب . 
و قبل النهاية أريد أن أعترف بان هذا الكاتب رغم أنه أصدر الكتاب الأول إلا أنه من الكتاب الذين لديهم موهبة القص الذى يقدم لحظات إنسانية تستعصى على الكتابة و يصعب الإمساك بها و شخصياته هى جزء من زمانها المغترب و المعذب و تسعى عبر حب حقيقى للبشر و للأشياء أن تقيم علاقة تناغم معها.


الإبتساماتإخفاء

هام جدا

السادة قراء، وكتاب موقع ورقة - war2h الكرام

خلال أيام يتعرض موقع ورقة للتوقف نظرا لحلول موعد {التجديد السنوي للدومين سيرفر} الخاص بالموقع.

لذلك نطلب من محبي موقع ورقة ومتابعيه قراء وكتاب، بالمساهمة الرمزية لضمان استمرارية دعم الموقع للكتاب الشباب وخدماته المختلفة والمجانية.

للمساهمة من خلال

- فودافون كاش: 01065704571
- اورانج موني: 01277756120

للاستعلام عن الوسائل الأخرى المتاحة

يرجي مراسلتنا عبر واتس اب على اى رقم من الارقام عاليه