عمرو عاطف - صورة النساء (2) : معنى سوار الياسمين



عمرو عاطف رمضان

صورة النساء (2) - معنى سوار الياسمين


وظننتُ أنَّكِ تعرفين..

معنى سوارُ الياسمين..

يأتِ به رجلٌ إليكِ..

ظننتُ أنكِ تُدركين!

من أغنية "طوق الياسمين" لماجدة الرومي


لو عَرف الناس في دوامة الحياة كيف يكون الترابطُ لترابطوا، ولو عرفوا في ميزان الرياح كم قطرةً من الحب تكفي لتعديل نسبة الرطوبة، لما تأخر أحدٌ في أن يتكون سحاباً بعضه فوق بعض، عندها، ومع نزول أول غيثٍ، سيفسر الكون أسراره العصية، من أين تأتي الرياح؟! ومتى يذوق المرء طعم الراحة؟! ومن أي شيءٍ خُلقتِ؟!!


ولكنهم لم يعرفوا! في كل صباحٍ كانوا يتشممونه نسيماً عليلاً، ويلمحونه جسد امرأة، ويرتوون بهِ جدولَ ذاكرة، ومع ذلكِ لم يعرفوا، ولم يكن الصخب الكوني يسمحُ بالتقاءِ يدينِ لمدةٍ تزيدُ عن بسمة، وضحكة، وانشراحة صدر... 

أديكي العمر بحاله يا أبويا.. واديني انتِ الفرحة يا عين!

الأبنودي

في الساحة الواسعة للرقصِ رأيتها أول مرة، ينسابُ من حولي المُنسابون فيخرجون عن إطار حياتهم، بكل ورديته وكل صفراويته، ويتمركزون حول نقطة المركز. إحساسُ أن تكونَ في نقطة مركزٍ من قوة طردٍ مركزي هو إحساسٌ مُختلف، تظل عاجزاُ فيه كما أنت، ولكنك على الأقل تستطيع رؤية الصورة الكاملة، البانورامية، للعجز! وتظل مع ذلك مطمئن القلب هادئ النفس.

على جانب الساحة بارٌ صغير، يجلس عليه أصدقائي من العباقرة، وفي وسطهم – بالضبط – صديقتي العظيمة "ذات الوردة".. لا تتعجبوا، اسمها هكذا، وتحمل دائماً في جيب سترتها – بجانب قلبها – وردةً بيضاء. كُنتُ أتعجبُ في كلِ مرةٍ مِن أن مِثل هذه الوردة لا تفسد ولا تنضب، وربما كانت تُغير كل يومٍ وردة، لكن ورداتها كُن متشابهات للغاية!!


وأحسستُ بالغرق..

رأيتها في الساحة الواسعة للرقصِ فكدت أُجن، ماذا تفعل هذه، في نضرتها وبهائها وقوتها، في ساحة الرقص المليئة بالمطرودين من حانات السعادة، الهائمين علي قلوبهم يتغنون أغاني لوركا على إيقاع الحُطيئة وألفاظه؟!! وتأتي هذه العظيمة لتشاركهم مأسآتهم الرائعة! أحسستُ بالغرق، فهرعت إلى صديقتي ذات الوردة، فهمتني ما إن نظرتُ في عينيها، قالت:

أنتَ تعرف قواعد اللعبة، إياك..
لكنها مُختلفةٌ يا ذات الوردة، إنها هنا، في ساحة الرقص.
قالت كأنها لا تنتمي إلى عالمنا:

- كلهم في النهاية بشر...

وتشبثتُ في يدها لأشعر ببعض الاطمئنان، فوهبتني منه ما وهبتني، فقلتُ لها:

-  أنا عائدٌ للرقصِ معها، سأرى ما يحدث...

الآن ترقصُ بمفردها وأنا قريبٌ منها، تقدمتُ منها وقلت:

أتدرينَ أنكِ الوحيدةُ على الساحة التي رأيتها ترقص "كلاسيك"!
أعجبتها ملاحظتي فانتبهت لي، قالت باسمة:

أتحبُ الرقص ال"كلاسيك"؟
ليس الرقص فقط، أحبُ كل ما هو كلاسيكي..
ولأي سبب؟
لا أدري، أعتقد لأن إجابات الأسئلة كانت أقل تعقيداً قديماً...
لكن القدماء – سامحهم الله – هم من وضعوا أسئلة اليوم...
اندهشتُ لفكرتها، ورأيتنا نبتعد عن ساحة الرقص لنجلسَ على طاولةٍ هادئةٍ في رُكنٍ بعيد.. قالت:

أحب وجودي وَسَط الناس، مع ذلك تزعجني الضوضاءُ كثيراً..
ما يثير استغرابي هو وجودكِ هنا أصلاً!!
اعتدلت في جلستها وقالت تعلوها بسمةٌ كشفت عن غمَّازتين غائرتين:

حقاً؟!
أجل، منذُ رأيتكِ وعلمت أنكِ مُختلفة عن الموجودين هنا..
فهمتني تماماً من غير أن أوضح لها، وعندما نظرتُ في عينيها وجدتُ الإجابة. قالت في بساطة:

عالمكم رائع.
في تلك الليلةَ عرَّفتها على ذات الوردة، ولما انصرفت قالت ذات الوردة في بهجة:

إنها جميلة، لقد أحببتها...
وكانت تلك إشارةً منها أن حوارنا لن ينتهي سريعاً.

في تلك الليلة، وللمفاجأة، نمتُ بلا حُزنٍ ظاهرٍ كان أو باطن، نمتُ في فرحٍ خالصٍ لكأنما هو فرحٌ مُستخلصٌ من الجنة.. سرحت فيه حتى غرقتُ، ولم أفكر...

في اللية التالية كان لقاؤنا...

وافيتها جالسةً مع "ذات الوردة" تتضاحكان، بدتا معاً كحديقة هائلة فارغة من البشر قررت أن تقضي ليلة مع الليلِ وحدهما. كم كانتا مُنسجمتين، وددتُ لو أشرب ترياقاً مُستخلصاً من حالتهما معاً. وكانت ذات الوردة تنظر إلي ولا تتكلم، تتأمل كأنما تُملي النظر في ربات فنونها وهن يسقينها نبع المجاز، وعندما أتيت ادعت أن لديها ميعاداً ما وأن عليها الانصراف، ومضت خفيفةً كالنسيم لتتركني معها، كنتُ كالعادة أجمع كلامي للتحدث معها، كنتُ أشعرُ أن الحوار الطبيعي لا يناسبها...

ما هو رأيكِ في الرجل؟!
سألتها ذلك السؤال المُلح في دماغي في تلك الصيغة الفلسفية، وكم كنتُ أودُ لو أسألها "ما هو رأيكِ في صورةِ الرجلِ فيَّ أنا؟"...

قالت:

الرجل عندي هو كائنٌ يتشابه مع الأنثى تماماً، لا فرق عندي بين هذا وتلك..
لكن البشر كانوا قد اتفقوا عرفياً منذ زمن بأن على المرأة أن تكون على حذرٍ من الرجل، وأنه على الدوام يملك سلاحاً جنسياً يمكنه أن يؤذيها به، ولذلك فقد استقر الأمر داخلي على أخذ الحيطة، رغم أن سيان بالنسبة إلي..

أردت أن أسألها عن رأيها في الحب، لكنني كنتُ خائفاً للغاية، كانت تتكلم بمنتهى الهدوء والتحفظ، وذات الوردة تستمعُ إلى شكواي في الليالي الظلماء، وتطير من حولنا كالملاك الحارس، وتنظر مترقبة النهاية.

وجلسنا علي قمة جبل. أنا وذات الوردة. كانت النجوم تلمع بقوةٍ كوأنها بجانبنا، وذات الوردة علي هدوءها وجمالها، قُلتُ:

- أنا عاجزٌ يا ذات الوردة، كأنها عالمٌ مُغلقٌ على نفسه، لا أكاد أجد سبيلاً إليها..

- أتظن أنها لا تؤمن بالحب، أو لا تحس به؟!!

- ما رأيكِ أنتِ؟!

- الحقيقة أنني لم أتكلم معها في هذا الشأن، لكنني دائماً ما أحس إحساساً بالحب مكتوماً داخلها..

- تبدو لي أنها لا تعرف معنى الحب، على الأقل الحب الذي يربط ذكراً بأنثى..

-  سأحاول أن أستشف أي شيء.

كلمتها في اليوم التالي، قلتُ باسماً:

- لديَّ مفاجأة، أريدُ أعرفَ رأيكِ...

كتبتُ قصيدة شعر، عنها هي، وأعطيتها إياها لتقرأها، أول البشر. كنتُ أظن – يالغبائي – أن هذا هو الحب!

وأعجبتها القصيدة جداً، راحت تصفق بحرارة وتقول:

- أنت رائع.

وابتسمَتْ بسمةً واسعةً كأنها معين الشِعر، عندها تمنيت لو أني لا أكف عن كتابة الشعر وقراءته لها. أحست روحي بخفة، وعقلي بصفاء، واجتمعت ربات الفنون في اجتماع طارئ لتخرج عملاً من الأعمال التي خلق من أجلها الفن، وخلقت أنا.

وتتابعت قصائدي الواحدة تلو الأخرى، وأصبحت مُعظم قصائدي تتحدث عن فكرة المستحيل، وكيف أنه من  السهل الوصول إليه بالمثابرة والعزم، وأن القلوب لابد أن تعيش حالة من الجمال الكوني حتى تلتقي. بدت الإجابات الكونية أكثر قُرباً، وبدت القصيدة – لأولِ مرةٍ – هي الحل.



صارت هي تنتظر قصائدي بفارغ الصبر، تفرح معي لفرحتي وتحزن لحزني، وتكاد تسهر أياماً عاكفةً على نسج صورة المجاز في خيالها، بدت لي أنها ليست مثلنا، ونسيت أنني، أنا الهائم، كنت على نفس ساحتها يوماً حين وافيتها، ونسيتُ أن لكل جوادٍ كبوة، وأن لكل قلبٍ حياةً في مكانٍ ما!

قلتُ لذات الوردة:

- آمنتُ أنها لا تُحب، ولن تُحب.

قالت بلهجتها الهادئة الجميلة:

- متأكد؟!

- لكنني على كل حال سأظل أتحدث معها، وأكتبُ الشعر منها وإليها، تكفيني صورة الشعر فيها..

قالت بصوتٍ أعلى:

- متأكد؟!

- أجل، أنا متأكدٌ من ذلك، أحس أحياناً أنها ليست مثلنا، نحب، ونضعف، ونستكين، ونتزوج. لا.. هي ليست هكذا، أظن أنها هي من كان يكتب عنها "نيرودا" طوال حياته الباهرة. لا تقلقي.. أنا بخير.

وابتَسَمتُ، قالت وهي تحدقُ بعيني:

- إنما أُشفِقُ عليك من الألم.

لم أجد رداً على كلامها، ثم وجدتُ نفسي أقولُ باسماً:

- لا ضير.

وكلمتها في تلك الليلة بكل ما أوتيت من شبق الحياة وحيويتها، قالت في مرح:

-غداً لدينا سهرة عامرة، ليلةٌ ليلاء لن تنساها، يجبُ أن تأتي بأي طريقة. المكان هو حانتنا التي التقينا بها أول مرة، أتذكر؟؟

"كيف عساي أنسي؟!" قلتُ:

- أكيد.

ما إن أغلقتُ الهاتف حتى دب فيَّ نشاطٌ غامرٌ شمل كل أوصالي، وملأ عقلي وقلبي قوةً وإلهاماً لا مزيد عليهما. ذرعتُ غرفتي أجمع كل ما قلته من قصائد متناثرة هنا وهناك، وأرتبها معاً طبقاً لذروة مشاعرها، تقودني واحدةٌ نحو الأخرى بجاذبيةٍ عجيبة، وحتى وصلتُ إلى آخر ما كتبت، كانت قصيدة مطولة، عظيمة، أسميتها في حيرة: "معنى سوار الياسمين"، وجمعتُ القصائد معاً في مخطوطة واحدة لعلها تستطيع تفسير الحالة في حالتها المجمعة. وكنتُ أعلم أنني سأظل طوال تلك الليلة مُستيقظاً.



في ليلة الحفلة كانت في ثوبٍ ذهبي فاقع اللون، و كانت تخطر بين الجمع لا تلوي على شيءٍ، وبدت ساهمةً كأنها تنتظر شيئاً ما، تنظر إلى الباب، وتسرق ابتسامة عصبية إلى الناس ثم تعاود النظر مرةً أخرى. وأنا في ذلك الركن، وبجانبي – دائماً – ذات الوردة في ثوبها الأبيض والوردة على قلبها. هممتُ بالتقدم إليها، أمسكتني ذات الوردة، نظرتُ إليها طويلاً أنتظر أن تقول شيئاً، في الأخير وجدتها تقول:

- هون عليك.

ابتسمتُ، ثم حملتُ مجموعة قصائدي وتوجهت إليها، ومددت يدي بها إليها وقلت باسماً:

- معنى سوار الياسمين.

قالت بلهجتها المعتادة باسمة:

- وهل وجدتَ المعنى؟

قلت بعد تفكير قصير وأنا على بسمتي:

- على الأقل وجدتهُ داخلي.

وشكرتني جداً على الهدية وهي تحتضنه بيديها، تركتها وعدتُ إلى مكاني، أراقبها، وجدتُ ملامح وجهها تنبسط وهي تنظر نحو الباب، وتضع مجموعتي عند أقرب طاولة، ثم تسرعُ راكضةً في شوق، تمسك بيد الشاب الذي للتو في بذلته "الكلاسيك"، وينحدران إلى ساحة الرقص. يرقصُ جسدها، وترقص عيناها، ويرقص قلبها داخلها. ابتسمتُ في تسليم، وسارعت أغادر الحانة لا ألوي على شيء، بينما استمر الرقصُ من خلفي قوةً، وشبقاً، واستحالت حانة الرقص زلزالاً شديداً هز أركان الحانة، واهتزت الطاولات، فسقطت مجموعي وتناثرت على الأرضِ تحت الأقدام. سارعت – صديقتي – ذات الوردة وراحت تلملمها في عناية وتحرص على أن لا يصيبها مكروه، ثم جمعتها معاً واحتضنتها في قوة، وغادرت الحانة...

في حوارنا التالي لامتني "هي" على أن تركت الحفل وغادرت، واعتذرت لها أنني اضطررتُ إلى هذا. ثم راحت تحكي لي عما حدث، وعن الشاب في البذلة "الكلاسيك"، وتخلت أخيراً عن تحفظها فحكت لي عن دواخل قلبها، امتلئتُ فرحةً وأنا أراها تتحدثُ في حيوية وجمال، راحت تقول:

- ولكنني أود منه أن يعرف من أنا.. أن يعرف قيمة ما يملك، وأن يسعى من أجل أن يجده، أنا أحبه، وأريده، ولن أتخلى عنه، ولكنه فقط عليه أن يُقدِّرني..

فجأة وجدتُ نفسي أقول:

- أنتِ عظيمة.. أنتِ أعظمُ امرأةٍ رأتها عيناي.

امتلئت غِبطةً وراحت تشكرني شكراً جزيلاً، ثم استأذنت في الانصراف، وأغلقت الهاتف مُخلِفتني في وحدةٍ باهرة. رُحتُ أتطلع في السكون المُدقِع من حولي طويلاً، ثم قمتُ إلى مصابيح غرفتي فأطفأتها، وخلدتُ للنوم.

 لقراءة الموضوع السابق: عمرو عاطف - صورة النساء {1}


الإبتساماتإخفاء

هام جدا

السادة قراء، وكتاب موقع ورقة - war2h الكرام

خلال أيام يتعرض موقع ورقة للتوقف نظرا لحلول موعد {التجديد السنوي للدومين سيرفر} الخاص بالموقع.

لذلك نطلب من محبي موقع ورقة ومتابعيه قراء وكتاب، بالمساهمة الرمزية لضمان استمرارية دعم الموقع للكتاب الشباب وخدماته المختلفة والمجانية.

للمساهمة من خلال

- فودافون كاش: 01065704571
- اورانج موني: 01277756120

للاستعلام عن الوسائل الأخرى المتاحة

يرجي مراسلتنا عبر واتس اب على اى رقم من الارقام عاليه