مدحت عبد الغفور - التقشف اللغوي


بقلم: مدحت عبد الغفور 
 التقشف اللغوي
معروف في أشجار الأنساب اللغوية أنّ التاء المربوطة مزيج من التاء المفتوحة والهاء، فجاءت هجينًا في الشكل في والنطق، فهي لها شكل الهاء، لكنها ورثت النقطتين عن التاء المفتوحة، أمّا نطقها فقد حيّر علماء الجينات اللغوية، والأكثر من ذلك الخلط بين التاء المربوطة والتاء المفتوحة!  لكنهم تمكنوا من إيجاد قاعدة سهلة للتفرقة بين الحروف الثلاث وهذه خدمة جليلة من شأنها تطهير الأنساب وحفظ الألقاب. 

فالهاء تنطق هاء على كل أحوالها عند الوقوف أو عند إكمال الكلام (مثال: اتجاه، وجه، انتبه). 

أمّا التاء المفتوحة فأيضًا – بارك الله فيها- ثابتة على نطقٍ واحد في جميع أحوالها (مثال: استثمارات، موت، ذهبت). 

أمّا التاء المربوطة، ونظرا لطبيعتها المهجّنة- فحالها غريب عجيب، فهي تنطق هاء عن الوقوف عليها، وتاء حين إكمال الكلام، وإذا شككت في أمر كلمة مختومة بها فما عليك إلا أن تجرب نطقها في كلتا الحالتين لتستبين أهي تاء مربوطة فعلا أم شيء آخر؟ 
عندما تجد أن أحد أشهر أبيات أبي الطيب المتنبي صار له معنيان مختلفان حين تقرأه تارة بالتاء المربوطة وتارة بالهاء، تعرف أن نقطتي التاء المربوطة أكبر من مجرّد نقطتين تافهتين تستخدمان لأغراض الزينة. 
تأملوا بيت المتنبي الشهير: 

"والظلم من شيم النفوس فإن تجد *** ذا عفة فلعله لا يظلم" 
ومعنى البيت المكتوب هو أنك إذا وجدت ذا عفة، فلعل هذا راجع لكونه لا يظلم وهو أمر نادر. 

الآن ضع نقطتين على "فلعله" ليصبح العجز "فإن تجد ذا عفة فلعلةٍ لا يظلم" وسيتحول المعنى إلى أن ذا العفة لا يظلم بسبب أنه يعاني من علة! والله وحده أعلم بقصد المتنبي. 
"وأظن أن بعضكم قد قرأ بعض البلايا المضحكة" 

مثلا تخيل خبرًا يقول أن فلان توفي سنه 1999"! فأنت أمام خيارين، إما أن تصدق أن فلانـًا توفي عن 1999 عامًا -تبارك الرحمن-،  أو أن تقرُ أن وفاته كانت سنة 1999 وتخيّل أيضًا كتابًا عنوانه "عشّاق الكرة" يتحدّث عن محبي كرة القدم، تخيل لو سقطت النقطتان وصار عنوانه "عشّاق الكره" أي عشاق الكراهية! أظن أن حكم هذا الخطأ يتعدى الكراهة ويصل إلى حد التحريم وفقا لكل المذاهب الفقهية النحوية. 

- واسمح  لخيالك أن يشطح  قليلا  إلى عالم الإجرام وقل معي "لا نريد قتلة" وهذا أمر سليم فما من مجتمع يرحب بالقتلة السفاحين. لكن لو سقطت النقطتان -سهوًا أو جهلا- تصير الجملة "لا نريد قتله"، ويكون عليك أن تحدد بالضبط من هذا الذي لا تريد أن تقتله؟ وهل هناك! أحد آخر تريد له أن يُقتل؟ وأين كنت بالضبط مساء  أمس بين الساعة الثامنة والعاشرة ليلا؟ وهل لديك أقوال أخرى؟ 

"رواه البخاري" جملة تكتب تحت الحديث لتدل على أن البخاري هو الراوي، لكن بعض الكرماء يصرون على تحلية الجملة بنقطتين، فتصير "رواة البخاري" أي الأشخاص الذي يروون عن البخاري، ونكون هنا أمام تحدٍ وهو البحث عن بقية الجملة، فـ"رواة البخاري" مبتدأ، فأين الخبر؟ هل غادر في رحلة استكشافية مع "خبر كان" مثلا؟ 

ولو قرأت عبارة مثل "جاء الإسلام ليساوي بين العبد وسيدة "، فإن حتمًا ستتساءل من هي هذه السيدة المجهولة التي جاء الإسلام ليخصها؟! 

أمَّا عبارة "خدمه خدمه العمر"، فتكرار الفعل فيها ليس للتوكيد والتشديد، بل أصلها "خدمه خدمةَ العمر" وكالعادة سقطت النقطتان تحت دعاوي ترشيد الإنفاق والتقشف اللغوي. 

- وتخيل أن هناك رجل لطيف أعطى ابنه "عملة" ربما تكون أثرية مثلا، وإذا ضاعت النقطتان وصارت الكلمة "عمله" يكون الأب في هذه الحالة أعطى الابن وظيفة وعملا. وعلي أن أعترف أن هذه من الحالات المفيدة التي تسقطت فيها النقطتان. 

- "صاحبة فلان" أي زوجته ومنها قوله تعالى {وصاحبته وأخيه} (المعارج، 12)، أما "صاحبه فلان" فتعني صديقه، والآن فقط فهمت سر تضجر الزوجات من أصحاب أزواجهن، فالأمر ليس غيرة من طول الأوقات التي يقضيها الأزواج من أصحابهم، بل المسألة وراءها منافسة نقطية على ما يبدو. 

"نشرة الأخبار " أمرٌ مفيد، أمَّا "نشرُه الأخبار"  فأمر غير مفيد دائمًا، وقد يعني أنه نمّام، صلاة العشاء" معروفة، أمَّا "صلات العشاء" فهي الصلات التي  تُؤسس وقت العشاء وغالبا تكون عبر مد الموائد، ويكون الناس بذلك وثقوا صلاتهم ببعضهم البعض عن طريق التعارف. 

- إذا رأيت لافتة عليها عبارة "انتبه"، فعليك بذلك، لكن إذا رأيت لافتة تقول لك "انتبة" فأرجو ألا تعيرها أي اهتمام، فليس من المعروف عن البشر مقدرتهم على الانتبات، فهذا أمر خاص بالكائنات التي يجري الكلوروفيل في عروقها. 

والآن بعد أن قرأتم مقالتي، أعلم أن بعضكم قد "هاله ما قرأ". الآن تخيلوا يأتي أحد ويكتبها "هالة ما قرأ" ويطالبني أن أشرح للقراء من هي "هالة" التي قرأها!.


الإبتساماتإخفاء

هام جدا

السادة قراء، وكتاب موقع ورقة - war2h الكرام

خلال أيام يتعرض موقع ورقة للتوقف نظرا لحلول موعد {التجديد السنوي للدومين سيرفر} الخاص بالموقع.

لذلك نطلب من محبي موقع ورقة ومتابعيه قراء وكتاب، بالمساهمة الرمزية لضمان استمرارية دعم الموقع للكتاب الشباب وخدماته المختلفة والمجانية.

للمساهمة من خلال

- فودافون كاش: 01065704571
- اورانج موني: 01277756120

للاستعلام عن الوسائل الأخرى المتاحة

يرجي مراسلتنا عبر واتس اب على اى رقم من الارقام عاليه