حسن غريب - شمس وسط الظلام



بقلم: حسن غريب                           

                  
داعبت النسائم الباردة الجبلية وجه الشيخ أبو محمد فأيقظته من غفوة لذيذة .. كان يحظى بها تحت شجرة تتوسط أرضه .
بعدان تناول كسرة خبز مع شئ من الجبن و البصل و جرعة ماء.
أستلقى فى الظل متعباً بعد يوم شاق أمضاه فى تقليب التربة حول أشجار الزيتون  وضع رواكيزاً لبعض أشجار الخوخ التى لم يشتد عودها بعد ..أبو محمد شيخ فى العقد الخامس من العمر ..رجل سقاه الريح العافية و القوة ..طويل القامة ..شديد  الزند ..هو من النوع الذى تحبه من أول مرة تلقاه ..فى لونه الفاحم و سروال الأبيض . و كوفيته الطوبية التى تزين رأسه ..و تعكس على وجهه صفحة حمراء حقيقة  كتلك التى فى غروب الشمس .
لأبى محمد ارض يفلحها فيها زيتون و شمام و خوخ . ومساحات زرعها قمحاً و شعيراً له ابن وحيداً هو محمد أنجبته أمه بعد نزال حمى وطيسه  مع الحياه ..غالبتها بالحمى سلم لصبي ليعيش و يتعلم حتى المرحلة الجامعية . بعدها امضى ست سنوات ينتظر الوظيفة ..طرق خلالها أبواب الوظائف فلفظته بعيداً ..تدحرج بين العديد منها فلم يصلح باصطياد واحدة ..عرض عليه  أبو العمل فى الأرض ..فى الزرع و الحصاد ..رفض  منذرعا بالشهادة و مجال التخصص ..ضاق بالحياة به حتى قرر الهجرة ..تصدى له أبوه فلم يغير ما فى رأسه ..غاب شهوراً .. بعدها علم الشيخ أن ابنه سافر إلى دولة أجنبية بعيدة .
ومضى ثلاث سنين على هجرة محمد ..لان خلالها قلب الرجل و ارتد عن غضبه على ابنه ..كانت أخبار محمد فيها شحيحة لا منقطعة إلا من رسالتين غائمتين ..تغيرت فيها نبرة الأصالة إلى سذاجة و رتابة و كانهما بعثهما دون رغبة .
حاول الشيخ أن يجد لابنه عنواناً فما استطاع ..رضخ للأمر الواقع و عاد مزاولة أعمال الأرض من زرع و حصاد حتى كانت الواقعة ..فى صباح يوم من أيام البيادر حيث البيادر تزدهى و تتحلى بحلل ذهبية أكوام من القمح مكومة هنا وهناك ..تنتظر الدراسة فى ذلك اليوم كان دور الشيخ ليدرس قمحه و هذا ما كان اجتمع عاملان مع الشيخ يساعدانه فىإدخال القمح من أعلى الدراسة و آخرون يهتمون بوضع أكياس فى أسفلها لتستقبل القمح حبوبا تتناثر كأنها شلال ينحدر عالية و آخرون يتعاونون  فى وضع شادر واسع ليحوى التبن الخارج من الآلة حتى تذروه الرياح فينتشر فى الفضاء و على سطح التربة .. جد الشيخ يومها و تعب و هو يجمع أكواماً من سبلات القمح ليضعها فى فم الدراسة . لتقضمها و فرمهما تحت أسنان معدنية تلتف و تصطك كأنها حوافر خيل فى طريق صخري.. دخل الكثير من غبار  التبن فى عينى الرجل فأدمعتها و أساءة رؤيتها .. فى أثناء اعتلاله كوم القمح فلم يبال و اخذ يدفع برجله  بشدة كومة قمح يدخلها فى فم الدراسة .. فانزلقت رجله إلى الداخل و التهمتها الدراسة بأسنانها  الحديدية .. فصرخ صرخة أوقف الدم فى وجوه الجميع وصعدت جبلاً فى الأفق .. و صرخة أخرى .. فأوقفوا عمل الدراسة و لكن بعد أن كانت قد قضمت رجله و أسالت دماء حالت ذهبية القمح إلى حمرة فى حمرة الأفق بمنظر يقشعر له البدن .
نقل الشيخ إلى المستشفى فبتروا له بقايا  رجله و أبدلوه إياها برجل بلاستيكية .. كان منظرها يمزق قلب الرجل الذى لم تزرف دموعه آلاف الأحوال و السنون .
مرت الأيام صعبة على الرجل ضاق بها .. الوحدة القاتلة .. و أحاسيس العجز .. كانت نظرات من حوله كأنها خناجر تنغرس فى قلبه و جسده و أحشائه .. كان يبصر نظرات الحزن من حوله كأنها سم قاتل يتسرب إلى جسده المنهك. ضجر الرجل بالوحدة و الجلوس إلى الجدار الرطب فى غرفته أو الجلوس امام بعض دكاكين الحي .. و تبادل النميمة مع الرجال الذين شربت الحياة آخر قطرات همتهم  و عزمهم.. و باتوا ينتظرون الموت ضجر ومل و تمنى لو أن ولده محمداً إلى جانبه أو أن زوجة حنونة يستظل بظل عطفها .. تحنو عليه و يحنو عليها .. و يتساندان ليمضيا فى دروب الحياة قرر الرجل فى صباح ذات يوم أن يخرج إلى أرضه التى أصبحت بورا فالناس باع أراضيها و هجت الزراعة  إلى الوظائف و كانهم يأبون إلا الأستجداء.. حمل معولاً مع أول حبات الندي مسرعاً قدر ما يستطيع ! ليلحق بقطرات الندي التى تبلل وجه الأرض و ورقات الشجر قبل أن ترشفها أشعة الشمس .
أحس الرجل كأن حيوية عظيمة دبت فى أوصاله عندما رجله الأرض فأنتفض بحيوية غريبة .. و أخذ يضرب بفأسه ضربة أفرغ فيها تعب السنين و ضربه تفل فيها على الزمن الردئ و ضربة ثالثة قوية .. أفرغت بعضاً من الشوق لأبنه المهاجر .. ضرب الرجل ضربات عديدة فى الأرض حتى سالت قطرات العرق على جبينه – كأنها حبات نوت فأستقر بعضها فى حاجبيه الكثيفتين و أخرى وجدت لنفسها مسار فى أغوار تجاعيد وجه الرجل .. استقرت على آخر ذقنه متذبذبة بين السقوط و البقاء .
اعترت الرجل حالة غريبة نظر فيها بعيون مفتوحة مشدودة عن آخرها إلى سفوح الجبال العالية الملتحمة .. قممها بعنان السماء .
خالها مساحات من سنابل القمح الذهبية .. تتموج فى اضطراب امامه كأنها صفحة للجة بحر آخر على وجهه النسائم
التف التفافة كاملة فاذا به وجه لوجه مع شجرة النخيل العتيقة التى تناهز المائتى عام من الحياة سامية عالية ممتدة الأطراف و السعف إلى أعلى  .
و فى أحضان جزعها وسعفها سرب من طير الحسون الجبلى تغرب برتابة كأنها أوركسترا تعزف سيمفونية عزبة يرتد صداها فى الأفق .. وراءه على شكل حفيف تعزف ملائكة الريح بأصابعها على سبلات القمح .. ملأ الجو عليه أصوات طرقت أذنه  .. أصوات اصطدم  الفئوس بالصخور أثناء الحفر .. خالطها أصوات جذ القمح حزماً بالمناحل .. درات به الأصوات و عيونه محدقة فى السماء الزرقاء الصافية .
ارتد القهقرة بضع خطوات أمسك برأسه المتعب بين يديه و سار يلتجئ إلى ظلال النخلة القديمة .. جلس فى الظل و أسند ظهره إلى جذع النخلة .. أرسل نظرة بعيدة إلى الآفق البعيد تنهدة حارة معذبة دامية اسند رأس إلى الجذع خلفه و أغمض عينيه .
هبت نسائم باردة كثيرة .. أذن المغرب .. غرد عصفور جرئ قبل أن يختفى فى الظلام و أصرت صراصير الليل بكل جراءة ..
لم يذكر أحد أن أبا محمد عاد إلى الحى ..انتشر خبر اختفائه كالنار فى الهشيم .
قرروا البحث عنه فى الصباح بحثوا كثيراً وجدوه  جالسا إلى جذع الشجرة.. و قد رحلت روحه  إلى السماء .. حاولوا تحريكه فوجوده ملتصقا بجذع الشجرة .. حاولوا حمله فوجدوه ملتصقا بالأرض .. تخاله مكمن قريب أو بعيد جزءاً يصل الشجرة بالأرض.


الإبتساماتإخفاء