محمد عبد العال - قراءة في رواية « يناير مؤقت » للكاتب عمرو جنيد


بقلم: محمد عبد العال

"متتاليات الثورة و تجاليتها في التاريخعندما تصبح الثورة مسألة شخصية بحتة" 

أعادتني الرواية في تمهيدها إلى المملكة الفرنسية فإذا بسنابك الخيل تصك مسمعي وهي ترتطم بالأرض البازلتية الصلبة.. عساكر وقادة وأوبرا فرنسية.. حقبة كاملة انقضت أعادتني الرواية إليها بشكل تام..وفي الفصل الأول اضطراب تام مما كان يعبث بالناس قبيل ثورة يناير.. أو بعبارة أخرى قد أطلق عليه هدوء ما قبل العاصفة.. تغرُّبٌ وانعتاق من حالة مزرية كانت تمر بها البلاد وتعاني منها العباد.. عالم جديد خلق من رحم عالم دوستويفيسكي ولكن في حُلة عصرية، أو كأن العالمين متحدان فكتابات دوستويفيسكي التي سبقت الثورة البلشفية وانقضت بها الإمبراطورية الروسية، وعالم هذه الرواية التي سبقت ثورة يناير وقضت على إمبراطورية مبارك وشركائه.. في عالمنا هذا الهروب من الوطن هو الحل الأحسن ولكن لمن استطاع إليه سبيلا؛ فلا أحد يجرؤ على القتال.. الناس موتى وهم أحياء.. الخوف يقطر من أركان بيوتهم كما تنشع الرطوبة من حوائطها.. كلنا كان سجين خوفه.. كلنا مغترب وإن لم يتغرّب. تونس كانت معنا في الرواية كما كانت معنا جنبا إلى جنب في ذلك الربيع الذي أمسى خريفا بعد حينٍ غير طويل.


إلى هذه الجزئية من الرواية عباراتها لم تكن فوضوية إلا بالقدر الذي عبر به المؤلف عن الفوضى التي كانت تعبث ببلادنا قبيل الثورة.. عبارات مشحونة غير مرنة.. لو كان للعبارات حواف حادة لكنتُ أقول أن حواف هذه العبارات حادة بالقدر الذي يجعلها تجرح مشاعرنا لموتنا الحالي؛ فمضي فترة غير طويلة على حراكٍ كان يمكن أن يجعلنا في مقدمة الأمم، ثم ما لبث أن انتكس جعلني أتجرع آهة الألم.
إلى هذه الجزئية من الرواية رأيت الترابط بين ثلاثة عوالم لعب المؤلف في مسرحها لعبا جيدا؛ ما بين التمهيد الذي أهل به روايته عما كان في فرنسا قبيل ثورتها، ثم عالم لم يحدثنا به وهو روسيا حملني على رؤيته في عباراته، وعالمنا المصري في عصرنا الحديث قبيل ثورتنا التي اشتعلت بُعَيْد الثورة التونسية.
وفي الفصل الثاني تلك التفاصيل الدقيقة التي حاك بها المؤلف عباراته فغدت كفسيفساء بيزنطية مرسومة بعناية جعلتني أقف لوهلة مع كل عبارة منها؛ فعندما وصف مرآة رأيتني أرى تلك المرآة وكأنها أمامي، أو كأن المؤلف يحملني حملا على رؤيتها. نور تلك الطفلة الحسناء التي اختلست النظر إلى تفاصيلها الدقيقة، وذاك الأب المهمش ذو التفاصيل التي تحملنا على الاعتقاد أنه بداخل كل منا؛ فحينما نقرأه تختفي تفاصيل حياتنا لتكون حياته جزءا لا يتجزأ من حياتنا.. رجل مصري كأي رجل مثلنا يعشق أن يعيش "جنب الحيط" أو إن استطاع أن يشق الحيط ليعيش بداخله لفعل.. ومدير مصري يعشق أن يكون مديرا، ومن منا لا يحلم أن يكون في مرتبة تجعله يخرج ما به من غم وهم على من هم في درجة أقل منه في ذلك السلم الوظيفي الذي أكل عليه الدهر وشرب ونام وبال عليه!.

أوبرا القاهرة ذلك المكان البديع الذي نرى فيه ثلاثة عوالم، ملجأ مجرد من كل شيء جميل فلم يكن إلا مكان "لأكل العيش" لبعض الموظفين الذين يعشقون الروتين الممل، وليال استثنائية لمن يأتون ليستمعوا الموسيقى والغناء، وعالم لنور الطفلة الحالمة. أويقات قليلة رأينا فيها عشرين سنة يمرون كسنة من النوم كـ"لحن سماوي جديد يتشكل". العبارة التي اختتم بها الفصل.

كانت الثورة التونسية بمثابة إرهاص لثورتنا المصرية، عالمان متوازيان نسجا على نول واحد، وحبكة درامية واحدة أثرت في كلينا، وروتين كئيب كان يطوي الموظفين طيا، كمفرمة تفرم بعضهم لتأتي ببعض لتفرمهم، وناشطة صحفية صارت ناشطة ولا يعلم أحد متى وكيف نشطت بعد خمول، وجرائد فقدت مصداقيتها في دفع مخدر للشعب متمثل في أخبار كاذبة، بين شعارات رنانة وأوضاع ظاهرية تمثل فكرا جديدا، وأسفلها ألف ألف خط أحمر مرسوم بأحبار مخفية، مجتمع آلي كالدمى التي تحركها الخيوط، وسياسات حزبية تدعي الصدق والكذب والنفاق يقطر منها كصنبور تالف.

ثم رأيت عالما يحيكه البحر تحت شمس منهكة، وأفراد مصريين حتى النخاع، عالما واقعيا خياليا كتب بعناية. وأما الفصل الخامس فقد كانت نور (الطفلة) قد قطعت شوطا عظيما في تهيامها بالموسيقى التي عاشت بداخلها، وأب موظف لم ير ضررا من تعلمها الموسيقى التي رأى فيها أستاذها نبوغا كبيرا على صغر سنها. والثورة لم تزل خامدة والناس تغلي كمرجل قديم تنوسي فوق تنور منذ دهر. ثم رأيتُ توافقا بين حكاوي البحر والناشطة الصحفية التي التمست طريقا للخلاص من واقعها المزري. وقد ناهزت نور البديعة السابعة عشرة من عمرها والمايسترو ذو الأماني الطوال التي رأى فيها ابنة حلم لو أنها كانت من صلبه.

لا شيء يعمل كما ينبغي في هذا العالم، فصل صغير جدا ولكن اختتم بعبارة رأيتُ فيها أن المؤلف قد حق له أن يغلق هذا الجزء الأول من الرواية بها.

ثم يأتي يوسف الراوي وهو ابن مترف لرجل صار من أصحاب القناطير المقنطرة من الأموال في غفلة من الزمن، أو في حقبة الانفتاح التي لا نعلم كيف انفتحت ثم أغلقت.. فتى متمرد على تقاليد الأسرة التي لم يكن لها باع طويل في التقاليد، وأم من صاحبات الرفعة السامية التي تحمل في أصولها عراقة قديمة طمسها نسيان العراقة لتدخل في شراكة زوجية مع الأب الذي صار ذا مال بعدما قضى الدهر على ما كان لعائلتها.
نور، فصل ثان بدأ بحكاية أصبحت فيها نور زوجة رجل مهم بعدما انتهت حكايتها مع يوسف وحكايتها مع المايسترو والموسيقى، أصبحت هانم من تلكم النسوة اللائي يترفن في نعيم وانضمت أخيرا إلى تلك الزمرة الأرستقراطية، صارت مسجونة في تلك الحاشية الرقيقة الراقية من رجال الأعمال وهي ابنة الموظف.. في لحظات رأيت افتراقها عن المايسترو الذي رغب عن زيجتها تلك..
داليا، كانت به الناشطة الصحفية في خضم نشاطها وولعها بالتيار الثائر..
(عيش/ حرية/ عدالة اجتماعية) شعار ليته دام أو استقر بعد الثورة..

يوسف الصديق الذي أصبح غير صديقا، أو أريد به ألا يكون صديقا، مات أخوه الذي لولا موته لصار يوسف حفنة من الهباء، وأب مثقل بأعباء ما هو له من الأموال ملتاع من ذهاب هذه الإمبراطورية المالية لمن لا يستحق، ويوسف قاب قوسين أو أدنى من التحول، تحول سيغير مجرى الأحداث ليصبح إبرة في كومة من الزيف.

اللهم نور، زوجان كان زواجهما على غير رضا، والأيام تباعد بينهما، كلاهما يأويان إلى الفراش كما يأوي الموظف إلى وظيفته في كل يوم.. هي ظبية حسناء كاد الدهر أن يطويها، عُلقة ثمينة صارت لمن لا يستحق.. زوجها صار فاسدا بحسب أقوال الصحف، بعد أن كان من رجال الدولة المعدودين، ثم صار من المغضوب عليهم والضالين. ونور التي عادت إلى عالمها بعد أن انصرم الدهر، وكاد زيت مصباحها أن يزول لتخفت جذوة المصباح..

داليا التي تدلت من عالم آخر بطابع تميز بالازدحام، وعلاء ذلك الفتى المنطوي الذي تعشّق تلك الفرس الجامحة، فباءت كل محاولاته بالفشل لترويضها، فدفن رأسه بين النصوص التراثية المقدسة لتعوض ذلك النقص والذي لم تسنح له الفرصة به. ليندرج به السبيل ليكون أحد الكوادر البارزين في الإخوان المسلمين ويصبح متهما في عملية إرهابية..

يوسف ملتاع، والقتلى في الثورة كضحايا جنائزية ليدخل الميت العظيم إلى الجنة، والأحياء يدركون أن الثورة قائمة ولن يمضوا إلى حالهم إلا بالتغيير.. ونور عادت إلى مصر بعد هذه الحمى الثورية التي شبت بالبلاد.. والعالم سينتهي عندما تتوقف الموسيقى عن الانبعاث..

عبارة انتهت بها الرواية لنخرج بها من الملحمة البديعة..
كل مكتوب في هذه الرواية لا فكاك منه، ولا سبيل إلى تغييره إلا بتأويله.. صارت هذه الرواية نصا مقدسا يحكمه المجتمع الذي رأيته، بدا المؤلف تاريخيا ليفرغ واقعيا، ليذكرني بقول ابن شبل البغدادي:
بربك أيها الفلك المدار ... أقصد ذا المسير أم اضطرار


الإبتساماتإخفاء

هام جدا

السادة قراء، وكتاب موقع ورقة - war2h الكرام

خلال أيام يتعرض موقع ورقة للتوقف نظرا لحلول موعد {التجديد السنوي للدومين سيرفر} الخاص بالموقع.

لذلك نطلب من محبي موقع ورقة ومتابعيه قراء وكتاب، بالمساهمة الرمزية لضمان استمرارية دعم الموقع للكتاب الشباب وخدماته المختلفة والمجانية.

للمساهمة من خلال

- فودافون كاش: 01065704571
- اورانج موني: 01277756120

للاستعلام عن الوسائل الأخرى المتاحة

يرجي مراسلتنا عبر واتس اب على اى رقم من الارقام عاليه