عن أدب الرعب نتحدث


بقلم: معتز محي الدين

من المفترض أن يكون أدب الرعب شيئا مهما؛ إذ أنه يناقش كل ما يخيف الانسان..لذا فلابد أن سؤالا مثل "ما الذي يخيف الانسان" قد يمثل مفتاحا مهما للكتابة في أدب الرعب.

"الانسان"، ذلك اللفظ؛ لا يشير فقط لذراعين وساقين وفم وأنف، بل هو معنى؛ سلوك ومعاملات ومجتمع واحتياجات ورغبات وتراكم معرفي، ولكي يصنف الكاتب نفسه ككاتب رعب لابد وأن يعرف كثيرا عن الانسان، وهو أمر يتطلب كثيرا من القراءة عن نفس ذلك للانسان، وتنوع طرق تفكيره حسب تباين شخصيات مجتمعاته، والتي تشكلها عوامل كثيرة كالطبيعة الجغرافية والإرث التاريخي مثلا.. فكلما كان لكاتب الرعب حظا وافرا من الاطلاع في علم النفس، والفلسفة، والتراث، وقطعا لابد له من حظ وافر من الاطلاع على مدارس الأدب عموما؛ كان قادرا على خلق إنتاجا مجديا من هذا اللون من الأدب.. باختصار لابد وأن يكون شخصا ممتلكا للحد الأدنى من الثقافة التي تؤهله لكي يصبح كاتبا من الأساس..

الكتابة موهبة وصنعة، والموهبة تكمن في الفكرة وطريقة معالجتها، والصنعة تكمن في فهم الأدوات والتمكن من استخدامها.. والتخصص في أدب الرعب -مثلا- أو غيره من فنون الأدب الروائي يعني أن الكاتب لديه قدرا مقبولا من الثقافة، ولديه قدرا مقبولا من الموهبة، ولديه قدرا مقبولا من الصنعة، ولديه مشروعا أدبيا خاصا به.

أي أن لقلمه شخصية، ولصياغته شكلا، ولكتاباته مضمونا، ولأفكاره صدى، وفي نفسه طموحا يحاول تحقيقه بأطروحات ورؤى..

الأمر ليس اعتباطا للأسف، وكنت أتمنى لو أنه كذلك لكي أكون على رأس من يقومون به وأنا مرتاح الضمير.. حتى القصة "المسلية" التي لا تحمل أي مضمون، والتي يكمن مضمونها في كونها "ملسية"؛ أي أن هدف الكاتب في الأساس والأصل هو تسلية جنابك سيدي القاريء "وهو هدف -لو تعلمون- عظيم"، حتى هذه القصة؛ لا يمكننا اعتبار كتاباتها أمرا سهلا واعتباطيا.

أعتقد أن من يستسهل الكتابة الخفيفة، ويقبل بشجاعة -يحسد عليها- على كتابة قصة "رعب" على أساس أنه بهذا يكتب أدبا مسليا؛ يشبه كثيرا ذلك الشخص الذي يستسهل التدريس للأطفال، ويظن أن شرح معان كالخير والحق والجمال والعدالة والكلام عن الاله والقدر والانبياء والشيطان لطفل أمرا أسهل من شرح نظرية نيوتن لطالب الثانوية العامة..

تسلية القاريء المطحون شرقا وغربا، والمعذب شابا وشيخا، والمعجون بواقع يومي بائس؛ لهو أمر صعب جدا.. وإخافة القاريء الذي اعتاد الخوف من الغد، وغلاء الأسعار المتصاعد، وتغير الواقع اليومي, وقمع الأنظمة، وغلبة الدين وقهر الرجال، ذلك القاريء الذي يخاف من توقف صلاح سالم وميدان لبنان، ويخاف من الرقم الذي سيظهر على شاشة ماكينة الكاشير، ويخاف من سرقة موتور المياه, ويخاف من ظلم حكم البلاي ستيشن, ويخاف من كمين الشرطة بالرغم من سريان رخصته ورخصة سيارته.. القاريء الذي اعتاد الخوف، حتى صار أقرب رفقائه وأخلص أصدقاءه, وطعيمه وشريبه وجليسه وأنيسه ورديفه، القاريء الذي اعتاد الخوف لدرجة أنه لم يعد يخاف.. كيف تخيفه بأدب مثل أدب زيكولا ومردوخ والغرفة المسكونة والمرايا الخاطفة والفجوات المؤدية لعوالم تسكنها الأشباح؟.

لماذا يظن كتاب أدب الرعب في مصر، والناشرين المتحمسين لتبني كتاب أدب الرعب في مصر؛ أن الأمر ظريفا ولطيفا ومسليا؟.. لماذا لا يكون هناك طرحا جديدا على الأقل؟..

من المفترض على الأديب -أي أديب- أن يكون دافعه للكتابة هو أنه لم يجد ما يريد قراءته في كتابات الآخرين؛ من ثم قرر هو أن يقوم بكتابته.. لكن الواقع في معظمه, ومجمله, وجله, وأكثره ليس كذلك للأسف؛ فكاتب هذه الأيام يقلد الرائج, ويحاكي المطلوب, وينسخ ويكرر ويردد ويعيد ويزيد "ويلت ويعجن" في أفكار بالية وأطروحات قتلت تناولا, ويتتبع سنن من كانوا قبله, ومن هم حوله, شبرا بشبر وذراعا بذراع, حتى أنهم إن دخلوا جحر الركاكة والسطحية والتفاهة دخله ورائهم.


الإبتساماتإخفاء

هام جدا

السادة قراء، وكتاب موقع ورقة - war2h الكرام

خلال أيام يتعرض موقع ورقة للتوقف نظرا لحلول موعد {التجديد السنوي للدومين سيرفر} الخاص بالموقع.

لذلك نطلب من محبي موقع ورقة ومتابعيه قراء وكتاب، بالمساهمة الرمزية لضمان استمرارية دعم الموقع للكتاب الشباب وخدماته المختلفة والمجانية.

للمساهمة من خلال

- فودافون كاش: 01065704571
- اورانج موني: 01277756120

للاستعلام عن الوسائل الأخرى المتاحة

يرجي مراسلتنا عبر واتس اب على اى رقم من الارقام عاليه