نسرين يوسف - قراءة نقدية لرواية ضارب الطبل لـ أشرف الخمايسي

قراءة نقدية لرواية ضارب الطبل لـ أشرف الخمايسي


نسرين محمد يوسف

ضارب الطبل (أشرف الخمايسي)

الموت كلمة تخبرك بأن ضيفًا سيحل عليك رغم أنفك، ودون تحديد لموعد الزيارة، فهو صاحب الشأن بهذا الخصوص، وقد قصم ظهر الجبابرة ووسدّهم التراب.

يخالف تلك المقولة أشرف الخمايسي في روايته (ضارب الطبل)، ذلك حين جعل للموت موعدًا محددًا، تحدده وزارة الصحة عن طريق جهاز (الفاحص العمري).

ـ هذا الجهاز الذي اخترعته إحدى الدول الأوربية، يتم عرض المولود عليه، وقد سن القانون على أنه بعد الولادة، حتى اثنتي عشرة ساعة بعدها يجب علي ولي الأمر عرض المولود عليه وإلا يتم تجريمه ومحاكمته؛ لانتهاك القانون والاضرار بالمجتمع؛ فيدفع غرامة كبيرة، ويُسحب منه الرضيع إن كان ذكرًا، ويُسلم للقوات المسلحة؛ ليقضي عمره مجهول الحد، عسكريًا تابعًا لإحدى الوحدات القتالية شديدة الخطورة، ولو كانت أنثى تُسلم لإدارة الخدمة المدنية؛ حتى يتم تربيتها وتوجيهها لخدمة الدولة.
ـ هذا الفاحص العمري يحدد يوم الوفاة، ولا يحدد ساعة الوفاة، ومن يخالف اليوم يتعرض لإنهاء حياته بحقنة الموت داخل مراكز تأهيل تابعة للحكومة، وتنتهي تلك الحياة بحقنة الموت، ومَنْ أراد الموت الرحيم عليه بمراكز خاصة ـ باهظة الثمن ـ عادةً لا يلجأ إليها إلا الأثرياء وعلية القوم.
ـ هذا الفاحص العمري رفضه الجميع في بداية الأمر، بل أن الخبر تم إذاعته في مصر في البداية بنوع من السخرية، ولكن الجميع انساقوا له رغمًا عنهم، وقد بحث الكاتب عن مبرر لقبوله فأدخل الدين، وصور رجال الدين وهم يحاولون البحث عن حل لتلك المعضلة، فجعل رجل الدين ذا الهيبة والكلمة المسموعة كالحاوي يبحث عن خدعة يخدع بها الناس ليقنعهم بعدم مخالفة الفاحص العمري للغيب، وعدم معارضته مع صفة الله تعالي ـ عالم الغيب ـ فبحث في الآيات وقلب المعدول وعدل المقلوب حتى فتح الله عليه ـ علي حد قوله ـ ورأى ما لم ير غيره، وتوصل للآيات التي تؤكد ذلك( ص 270: 280)، وكذلك كان لرجال الكنيسة دور في ذلك.
ـ ركز الكاتب ـ وبحرفية كبيرة ـ على فكرة الموت، وكيف يستقبلها الناس، وكيف تكون حياتهم بعدها؛ فمنهم من تحولت حياته لجحيم بسبب قصر عمره، ومنهم من حولها لنعيم لنفس السبب، وقد تباينت ردود أفعالهم، حتى أن منهم من خالف الشرع في تقسيم الميراث على ذريته لمجرد أن أحدهم سموت قريبًا والآخر أمد الله في عمره.
ـ تعرض الرواية لأنماطٍ كثيرة من ردود الأفعال مع الموت، ولكن السائد هو تحول الحياة لجحيم إن لم يكن بسبب الخوف من الموت المحتوم القريب من الأشخاص أنفسهم، كان بسبب قربه من أحد أبنائهم.
ـ يحلق الكاتب كثيرًا في الصحراء الرحبة خروجًا من ضيق الموت، وقد صورها على أنها الملاذ الآمن لكل من أراد الهروب منه، ولكل من لم يخضع للفاحص العمري.
ـ الخوف من الموت غريزة فطرية، ولكنه جعل منه خوفًا مرضيًا أصاب البعض بالجنون أو قل بالكفر، كما حدث مع ( العُمراني محمد إمام) حين تجرأ علي الذات الإلهية في آخر يوم له علي وجه الأرض( ص263 خطف السكين الملقاة علي صاج حوض غسل المواعين، وأخذ يغز بنصلها سماء المطبخ رافعًا وجهه إليها، بينما يجأر: الأحسن تفهِّمني حكمتك البالغة. ألقت سيدة عبد الرحيم الطيب بنفسها عليه، أحاطت خصره بذراعيها، دفنت وجهها في صدره تقول: إياك تخسر آخرتك، يكفينا خسارة الدنيا..... استمر يغز سماء المطبخ وهو يجأر: سبيني يا امرأة حركاته كلها نذاله، يمكن في الآخر لا نقابله ولا يقابلنا، ثم زعق : حالا تفهمني حكمتك البالغة أو أقتلك) معاذ الله مما نقرأ .. هل حققت ما أردت يا خمايسي حين كتبت ذلك؟؟؟؟ هل يعقل أن يجُن المرء ويصل للكفر المحض لمجرد معرفته بموت أسرته كاملة في يوم واحد، مما دفعه لسب الذات الإلهية والقتل، فقد قتل أبناءه الثلاث وزوجته بيده، كذلك انتحر ، ناهيك عن سبه للدين  أكثر من مرة( ص260 ـ 265).  
ـ شخصيات الرواية كثيرة، منها ما كان له دور مهم في أحداث الرواية، ومنها من لم يكن له دور.
ـ من أكثر الشخصيات بروزًا في الرواية ( طه) الذى حول قصر حياته لمتعة، استغل فيها كل دقيقة وعاش في عام ألف عام هو وزوجته.
ـ علي النقيض نجد (ياسين)، من أسوأ شخصيات الرواية، قوادًا يضحي بشرفه وشرف زوجته من أجل المال، حين باع زوجنه للخواجة مقابل مائة وخمسين ألف دولار، وذلك استخفافًا بها فقد عرف أنها ستموت قريبًا فأراد أن يقبض ثمنًا لها. 
ـ كذلك (ضارب الطبل) الذي يحكي عنه كل سكان القرية؛ فقد هرب من الموت للصحراء وأخذ يتفلسف ليصل لسر الموت والخلود والحياة، اتخذت منه (خضرة) مادةً لحكاياتها المستمرة، يقابل حفار القبور ويربط له الطبل بالحياة، وبأنه سر تلك الحياة.
ـ (حفار القبور) الذي لم يعرضه والده على الفاحص العمري، وقام بتهريبه للصحراء عندما أتم السن القانونية، وكان لابد من استخراج بطاقة شخصية ومعها يعرف تاريخ وفاته، رفض والده ذلك خوفًا عليه، فقد أراد له حياة سعيدة؛ فأرسله للصحراء هربًا من العمران حتى لا يُقبض عليه، ذلك الحفار الذي كان يرى الموت في كل ما حوله (أغنامه ـ كلبه ـ حماره) ودائمًا ما يرتبط إحساسه بالكون من حوله بوجود ضارب الطبل.
ـ (خضرة محمد علوان) من أشد الشخصيات تأثيرًا، امرأة من قبيلة غجرية، اشتهر نساؤها بقصص الغرام، ومطارحة الرجال، وقد كانت الغجرية الأكثر فجورًا، لا يذكر اسمها إلا مقترنًا بالجنس والغواية، تلك السيدة التي لا تكبر ولا تموت، ولا يعلم أحد موعد موتها.
ـ صور الكاتب (خضرة) وكل ممارستها الجنسية تصويرًا تامًا، فالرواية تعج بالجنس الرخيص، وتصفه كاملا كما لوكان هو فكرتها الرئيسة، أجده غير مبرر، حتى أننا لو تتبعنا الأدب الغربي، وهو ما يعتبر الجنس أمرًا عاديا، لا تعج رواياته به كما تعج الروايات العربية ـ للأسف ـ في الفترة الأخيرة، لا أدري لذلك سببًا. أما هنا فجميع الشخصيات تلجأ له ليلة الموت كما لوكان هو الحل الوحيد للموت، ينسون أنفسهم معه.
ربما كانت خضرة رمزًا للموت وللحياة في آنٍ واحد؛ فقد تهب بعضهم الحياة بممارسة الحب معها، وتهب لبعضهم الموت. 
وهنا لنا تساؤل: أليست هناك شخصية واحدة من شخصيات الرواية تلجأ لله حال معرفتها بقرب الموت؟!! أليس هناك من يصلي ويدعو الله ويقضي ليلته في الدعاء والاستغفار والتقرب لله وطلب جنته؟؟؟ كما لو كانت جميع شخصيات الرواية يتملكها المرض النفسي.
ـ (الخواجة)كان رمزًا للدول الغربية المستغلة، وحاول التخلص منه حين جعل خضرة تنتقم منه بتلك الطريقة البشعة.
* كما كان هناك بعض الشخصيات التي يمكن الاستغناء عنها( الحكيم الصيني والصبي) و( سائق العربة الكارو). 
*من عيوب الرواية:
1 ـ كتابة الأسماء ثلاثية لكل الشخصيات، فقد كان أمرًا مملاً.
2ـ محاولته لوصف رجال الدين الأصوليين بالحواة، ووصف اتباعهم بالصم العمي، يهللون ويكبرون ويطيعون طاعة عمياء، على غرار فيلم (الإرهابي لعادل إمام)( لا تجادل يا أخ علي)، لقد بالغ كثيرًا في هذا الوصف، كما لو كان مشهدًا من المشاهد القديمة للجماعات الإسلامية أيام الشيخ كشك وحسن البنا وسيد قطب، وربما لو كان ذلك موجودًا فليس بهذا الشكل المبالغ فيه.
3ـ كثرة الحكايات والأدلة التي جعلت الحكومة تسن القوانين التي تحرم إبلاغ الصغار بموعد موتهم حتى يبلغوا سنًا معينة، كان من الممكن التلميح لذلك أو الاكتفاء بواحدة أو اثنتين.
4ـ الجنس الطافح بالرواية.
5ـ الكلمات النابية والألفاظ الخارجة(حدث ولا حرج بطول الرواية وعرضها).
*ورغم ذلك فالكاتب يمتلك حرفية بالغة تظهر في الوصف والسرد.
*كانت هذه الرواية الأولى التي أقرأها للخمايسي وأعتقد بأنها الأخيرة.



الإبتساماتإخفاء

هام جدا

السادة قراء، وكتاب موقع ورقة - war2h الكرام

خلال أيام يتعرض موقع ورقة للتوقف نظرا لحلول موعد {التجديد السنوي للدومين سيرفر} الخاص بالموقع.

لذلك نطلب من محبي موقع ورقة ومتابعيه قراء وكتاب، بالمساهمة الرمزية لضمان استمرارية دعم الموقع للكتاب الشباب وخدماته المختلفة والمجانية.

للمساهمة من خلال

- فودافون كاش: 01065704571
- اورانج موني: 01277756120

للاستعلام عن الوسائل الأخرى المتاحة

يرجي مراسلتنا عبر واتس اب على اى رقم من الارقام عاليه