جعفر لعزيز - اشراقات حول القيم


بقلم: جعفر لعزيز 
         المغرب 
لامست في هذه الإشراقة، أن أسفر عن الجامع الذي يجمع أعلاما ثلاثة حول إشكال الثقافة العربية، أو المجتمع العربي، وأتحدث هنا عن "مالك بن نبي، وسيد قطب، ومحمود شاكر"، وجاءت هذه الإشراقة من السلسة التي اتبعها في كتابة تدويناتي، إنها سلسة "إشراقات"، وتسألني أكان هذا اللفظ لك؟، طبعا لم يكن لي وإنما هو لفريد الأنصاري –رحمه الله تعالى- وقد اعجبني لما قرأت كتابه "جمالية الدين"، وكتب أخرى له لا مجال لذكرها هنا، فكان لي الشرف أن أجعله اشراقا أبدء فيه الكتابة، وهو فأل خير علي، وعلى ما سأكتبه، ويقولون: إن الكتابة هي الروح الذي تنبض به الحياة، ويسعد بها الفكر، ويتأمل بها وفيها العقل، ووجدت بأن العالم اليوم "عالم الكلمة"، أو بتعبير فريد الأنصاري حرب الكلمة، ولذلك فالكتابة أُنس للإنسان الذي ضجر من هذه الحياة، ولا ملجأ له إلا أن ينظم كلمات مصفوفة يعبر فيها عن مشاعره وأفكاره حول ما تشهده الحاضرة من جهة، وحول ما يتخيله، ويحس به ويعيشه من جهة أخرى، فالكتابة بتعبير دريدا في قول نقله أرنو جايجر في روايته "ملك في منفى العمر "إذ يقول: "عندما يكتب المرء فإنه يبحث دائما عن الغفران"، وللحديث عن هذه المسألة أمر طويل لا ينتهي، وفي ظل العالم المظلم المعتم، إذ فيه شمس القيم قد غابت، ونور الحياء قد فني، وماء الكرامة قد جف، ومزرعة الأخلاق وورودها قد ذبلت، وأصابها الوابل والجفاف، ومطر الرحمة البشرية قد انعدم، ولا وجود له، ولم يعد له أثر، ولا تفهم من قولي هذا الاطلاقية، فالمسائل منظورية بتعبير فوكو، و"ليس هناك في الدنيا صلاح محض ولا فساد محض" كما قال: الأستاذ محمد الفرجي، والجامع لهذه الظلمة هو انعدام القيم، ولذلك كما أشرت فيما مضى أنني أحاول أن أحدد ذَلِكُم الأساس الرئيس الذي أجمع عليه المفكرون العرب حول ما أصاب الثقافة العربية، بتخصيص الأعلام الثلاثة المذكورين.

وهذا الموضوع لم تمليه علي الذاكرة هكذا، أو أردت الكتابة من فراغ، فقد جاء الموضوع للبحث عن الغفران، ولملامسة السبب، ولمعرفة الإشكال، هي أشياء كثيرة يمكن قولها، والذي يجمعها أن الواقع واقع غير مفرح، فالبكاء البكاء على ما نرى، وما نشهد من فضائع الإنسانية، التي نتساءل حول سببها، ومباعتها، فهي تخنق الذات، وترعب النفس، مشاهد مؤلمة، أتضجر من رؤيتها، ويحز ذلك في نفسي كثيرا، ولا أزكي ذاتي طبعا فيما يحصل الآن،{فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} [32: النجم].

الجوهر الذي اتفق عليه المفكرون حول الثقافة العربية أمر واحد مرتبط بعالم القيم، باعتبارها المشارق التي يحدد بها معيار الإنسانية، والأحاديث النبوية الشريفة كثيرة حول هذه الأمور صريحة لا غموض فيها، وفي هذا المساق فإن كل من مالك بن نبي وسيد قطب، ومحمود شاكر، قد رسموا طريقا فيه الرِجعة لما أصابنا جميعا، وأصاب الثقافة العربية، ولم يكتبوا عن الثقافة عبثا، ولا تحسب أن أقلامهم راحت تكتب بدون علة، كلى، فإن ذلك جاء انطلاقا من العزاء الذي اعلنه عقلهم، والألم الذي حرك غيرتهم على هذه الأمة، فهم لا يرجمون بالغيب.

نبدأ بمالك بن نبي رحمه الله، إذ أن هذا الرجل ربط إشكال المجتمع الإسلامي بإشكال القيم، وانعدمها، وليس هو الاشكال الوحيد، وإنما واحد من أهمها، وتعتبر القيم عنده ركنا من أركان التأسيس للثقافة، ويقول في هذا الصدد: "المنهج الأخلاقي، والذوق الجمالي، والصناعة، والمنطق العملي، فكل واقع اجتماعي أو ناتج حضارة هو مركب من هذه العناصر الأربعة"1.

والملاحظ أن المنهج الأخلاقي هو الأساس الذي تنبني عليه الثقافة، فمبعث الروح والحياة هي الأخلاق، وفي غيابها فالحسرة الحسرة على ما غاب ولم يعد، والطريق إلى كل ثقافة مؤسسة على هذه الفهوم الأربعة، وأسها هي القيم، وتعجبني عبارت "بن نبي" لما قال رحمه الله : " كمؤمن أؤمن بأن الله تعالى سيهيء السبل لهذه الأمة ويحفظها من كل شيء"، جميل هذا الكلام الذي عبر عنه، هذه هي الإنسانية، و"إن الجمال هو وجه الوطن في العالم، ولنحفظ وجهنا لكي نحفظ كرامتنا"2، والجمال يا صاحبي في القيم والأخلاق، فهي نطاق انسانيتنا.

وأما محمود شاكر في رسمه المنهج القويم لهذه الأمة، وتحديد معالم حضارتها، فقد جعل طريق الثقافة والحضارة لما تحدث عن المنهج في شيء رئيس هو "الأصل الأخلاقي"، باعتباره الأمر الحاسم في تماسك الأمة وترابطها، وبلوغها المبلغ الحسن في كل شيء، وفي ذلك يقول: "وكل اختلال يَعْرِضُ فيضعف سيطرة هذه 'الأصل الأخلاقي'، أو يؤدي إلى غموضه أو غيابه أو تناسبه أو قلة الاحتفال به، فهو إيذانٌ بتفكك الثقافة وانهيار الحضارة إيذاناً صارخا لا معدى عنه، مهما بلغت هذه الثقافة، وهذه الحضارة في ظاهر الأمر أو في العيان، مبلغا سامقا من الغلبة والانتشار، ومهما كان لها من اللَّألاء والتبرج والزينة ما يفتن العقول ويسبي القلوب"3.

وأنت تقرأ النص ليتبين لك الأهمية البالغة للأصل الأخلاقي في كل ثقافة كيفما كانت، وإن اعتلت علو السحاب والجبال، وتربعت عرش التطور والازدهار، وبلغت مبلغا راقيا، وسطت على أموال الدنيا وأملاكها، ففي غيابه كأن شيئا لم يكن، فهو إذن نص صريح لا يحتاج إلى بسط وشرح حتى تفهم مداليله وتترسخ في الذهن، ويبقى الجوهر الذي تسمو به النفس الإنسانية وتتحصل فيها انسانيتنا هي القيم، "والجاهل المغرور هو الذي يظنها انطلاقا من القيد وخروجا من التقاليد، وتحللا من اصر الأخلاق وأغلال الشرائع"4.

وصلنا في هذه الورقة إلى علم أخير تم تخصيصه، وهو "سيد قطب" –رحمه الله- وهو أيضا ينطلق من القيم كأساس تقوم عليه الثقافة على عموميتها، وننقل نصا يؤكد هذا القول، ويعزز قيمته، وهو قوله: "تقف البشرية اليوم على حافة الهاوية، لا بسبب التهديد بالفناء المعلق على رأسها، فهذا عرض للمرض وليس هو المرض، ولكن بسبب إفلاسها في عالم القيم، التي يمكن أن تنمو الحياة الإنسانية في ظلالها نموا سليما، وتترقى ترقيا صحيحا"5.

نص سيد قطب صريح في معناه، وبَيِّن في دلائله، ولا يحتاج إلى مزيد تفصيل، وايضاح، وحاصل مقصوده أن غياب القيم في مجتمع ما مفض به إلى الهاوية، والهلاك، وترون ذلك في غالب الدول العربية، فالبشرية لا أساس لوجودها في انعدام القيم، فعليها مبدأ الإنسانية وضميرها، فمن أفلس فيها وتركها خرج من الصفة التي كرم بها، والتي من أجلها خلق، وعليه فهذا جلي وواضح، بكون أن محمدا صلى الله عليه وسلم بعث ليتمم مكارم الأخلاق وفضائلها، الشيء الذي يجعلها ذات أهمية كبرى في كل ثقافة وكل أمة.

اتضح لنا أن الفكرة التي أجمع عليها كل من الأعلام الثلاثة، هي فكرة واحدة أسها القيم، واهتمامهم بها لمؤكد لضرورتها، واسهامها في بناء المجتمع، ومنح الإنسان انسانيته، والحفاظ على كرامته، فكان مالك بن نبي يسميها بالمنهج الأخلاقي، ومحمود شاكر بالأصل الأخلاقي، وسيد قطب، إفلاس القيم، هذا ما يجعلنا نؤكد مسألة الأخلاق والقيم عامة ودورها في بناء كل ثقافة والتأسيس لها.

فالأساس الذي قامت عليه الورقة المصنفة ضمن سلسلة "إشراقات"، هي التأكيد على الجامع بين فكر علماء ثلاثة، حول وضع طريق صحيحة ما أمكن ذلك لهذه الأمة، التي تعيش سنين عجاف في شتى المجالات، وإنها لشقاوة أن يحصل هذه، وإن اختلفت معالمهم، ففكرتهم واحدة في الجانب المتعلق بالقيم، وما وقع طبيعي أن يقع، ولكن يجب الوعي به حتى نستطيع تجاوزه وتخطيه، "وانتاج انسان جميل كفيل بانتاج الحياة جميلة"6.

وتبقى القيم في المجتمع الفضيلة التي تمنح للشخص سر وجوده الإنساني، وجعل الحياة حياة جمالية كمالية، وهي التي تطهر البشرية من أدران سوءة والقباحة والمذلة، والنتانة، فما إن غابت أصبح الناس في الأرض جيفة تمشي ومكامن القبح مجتمعة فيها.

1 - مشكلة الثقافة، مالك بن نبي، ص109.
2 - مشكلة الثقافة، مالك بن نبي، ص85.
3 - رسالة الطريق إلى ثقافتنا، محمود شاكر، ص32.
4 - جمهرة مقالات محمود شاكر، ص_801.
5 - معالم في الطريق، سيد قطب، ص3.
6 - جمالية الدين، فريد الأنصاري، ص157.


الإبتساماتإخفاء

هام جدا

السادة قراء، وكتاب موقع ورقة - war2h الكرام

خلال أيام يتعرض موقع ورقة للتوقف نظرا لحلول موعد {التجديد السنوي للدومين سيرفر} الخاص بالموقع.

لذلك نطلب من محبي موقع ورقة ومتابعيه قراء وكتاب، بالمساهمة الرمزية لضمان استمرارية دعم الموقع للكتاب الشباب وخدماته المختلفة والمجانية.

للمساهمة من خلال

- فودافون كاش: 01065704571
- اورانج موني: 01277756120

للاستعلام عن الوسائل الأخرى المتاحة

يرجي مراسلتنا عبر واتس اب على اى رقم من الارقام عاليه