Uncategorized

“أم أحمد” قصة قصيرة بقلم “ماجدة عبدالعاطي

 

أم أحمد

الساحة ضيقة والأنفاس تختنق هنا،المكان باتساعه بعدما تشبع بالكراسي الخشبية واكتظ بالجيران
والمعارف..ملأ السواد المكان..الحارة فارغة تمامًا،لا أطفال يلعبون ويحدثون ضجيجًا كعادتهم وحتى قهوة مصيلحي مغلقة،اليوم صامت والجو مشحون بسكون مٌرعب و أصوات الناس تأتي من داخل المنزل الهالك و كنها تزٌايد علي بعضها.
-لا اله الا الله،الدنيا مش دايمة مين كان يصدق دي لسه كانت بتقول هتسافر لابنها البلد!..ربنا يرحمها كانت ست أصيلة ومحدش فاكرلها إلا الخير.. برضه تعبت في حياتها وشافت كتير حتى ولادها مكنوش كويسين
فيها.ولا ا تهنت جووا ولا بخلف صالح ربنا رحمها من العيشة المرة دي،اتحملت اللي مكنش الراجل متحمله ده كان رامي عليها الهم كله.رجالة الهم برضه! الله يرحمها يا جماعة وحدوا الله أهلها حاضرين.
هو قابع هناك في الداخل،في غرفته جالسًا وهو ساندًا ظهره علي الكرسي الخشبي المقابل للسرير ويتمعن النظر فيها جيدًا.هو لا يعلم يقينًا طبيعة الموقف لم يشهد حدثًا كهذا من قبل،لقد فقد ابن له منذ حوالي عشرين عامًا ولكنها هي من تولت مراسم الدفن وهي من غسلته،هي حتى من ألقت في وجهه الخبر ومن هدأت من روعه،وهي من علمته ألا يبكي في حضرة الميت حتى لا يؤذيه فكتم صوته المبحوح.يعلم جيدًا أنه لا يجب أن يكون في مكان غير هذا..لا يجب أن يتركها ويرحل كعادته لأن هذا يغضبها جدًا،لن يذهب! سيظل جوراها يراقبها هكذا عن قرب.السواد يزداد والصوت بالخارج يعلو علي صوت القرأ ن وهذا يبدو أفضل له.صوت القرأن يشعره و كأنه في ميتم! هكذا كان يصرخ في وجهها عندما تفتح إذاعة القرأن الكريم.كان يحب القرأن ولكن
بصوت منخفض وهي كانت تصٌر أن يكون الصوت واضحًا في كل الأركان.صوت النساء واضح جلي لدرجة أربكته أكثر هو لا يحب ثرثرتهن ولكنه أفضل من صوت الشيخ عبدالباسط الذي يرعبه.

العالم لن يعطينا الطمأنينة في هذه اللحظات وتلك السكينة التي يبحث عنها في وجهها سترحل في الصباح الباكر.هو لايزال رافضًا لتقبل هذا الواقع،هو لايزال يجلس حتى لا يلمح سواد يخيفه،حتى لا يرى اكتظاظ
الطرقة بالنساء يصرخن ويبكين..لا يريد أن يرى طفلته الصغيرة التي بلغت عقدها الثالث وهي منهارة على رحيل أمها..لن يرى شيئًا في عينيها هو لا يعلمه.
-يا عيني بنتها ما داقت اللقمة في بوقها من الصبح.يابنتي مينفعش اللي بتعمليه ده! ..الله يرحمها ويغفرلها مكنش في أطيب من قلبها وروحها الخفيفة.. هما الناس الكويسة رايحين وميبقاش إلا الناس السودا اللي بمية لون…يلا الحمدلله سترت بناتها قبل ما تموت وفرحت بيهم… بس ابنها الكبير ده جشع بشكل أعوذ بالله حتى ميجيش يشوف امه أخر مرة؟ إيه القساوة دي؟
أم أحمد،بناتها ثلاثة ولها ولدان:البكري ولد ربما كان غير بار بامه..ولكنه احتفظ الرجل بوصية زوجته عن الموت.لن يدخل على الميت شخص أنهكه في الدنيا،لن يرى الميت أحدًا علي خلاف معه ولن يودعه أبدًا.للحق هو يعلم أن زوجته سامحت ابنها ولكنه يعاقبه عقابًا خاصًا به قاسيًا شيئًا ما.لايزال في الغرفة ولكنه قام من مجلسه ليجلس جوارها.وبدء في تحسسها إرتعب فإبتعد قليلًا جسمها بارد تمامًا.أحقًا ماتت؟؟لا يهم أي مسمى نضعه تحت ذلك الوضع.ما يهم أنها هنا الأن وربما لذلك هو ليس حزين،هو حتى لم يقرأ القرأن.إكتفي بالنظر إليها والتمني،تمني أن يتوقف كل شئ،ألا يأتي هذا الغد الذي سيأتي معه المغسٌلة والحانوتي والصندوق
الخشبي!لن يآ تي..لن يحدث شيئًا كهذا.ألا يوجد شيئٍا واحدًا لا يسمح لهذا الغد أن يأتي أو أن لا تفارقه من الأساس،وبإعتبار أنه أمر واقع فلم هي وحدها؟
-الدنيا تلاهي دلوقتي مين ياخد باله من الراجل و أكله وشربه؟..ياختي وهو في حد لحد بكرة عياله ينسوه زي ما نسيوا أمهم..مفروض الواد ياخده يعيش معاه..وهو حد بيستحمل حد الأيام دي؟..حتى كان في حاله ولا له
صاحب ولا رفيق..هو كان كِشري ومٌكرهه ناس ولا كان يحبها تعرف حد وكان قاطعها عن الجيران كلهم تقوليش يهود! ده الناس لبعضيها.. هيموت لوحده!!
الحارة تسحب كل الأنفاس في المكان والغرفة التي تتسع للسرير والأريكة والكرسي القديم أصبحت لا تتسع إلا لجسدها الميت لا يتنفس ولكن يبدو أن الملائكة تفعل.هو لا يستطيع التنفس ولا يستطيع الجلوس حتى،منهك من ركض ثلاث ساعات ومرهق،إرتسمت علي وجهه علامات الجوع والعطش والتعب الشديد..في مثل هذه الحالة لا يبدو أن الميت هو من سافر! لا يزال ينظر الى وجهها الأبيض النقي،عينيها الكاحلة وتجاعيد وجهها، أسفل عينيها وحول أنفها وفمها.تكون أوضح عندما تبتسم؛ولكن لا يوجد علي وجهها تجاعيد! المرء يعود شابًا بعد الموت؟ هل ستفعلها وتتزوج من غيره إذن؟لا يدري! بدأ صوت المقٌرِء يظهر ويرتفع،وبدء ذعره يزداد..”قلت لكِ ألف مرة إسمعي علي أدك الصوت عالي مش لازم نسمع الناس”.. وهي لا تستجيب!

” أم أحمد!!” ..لو أجابت ربما أعتذر..ربما لتركها تشعل المذياع كيفما تشاء،لن يتركها تقوم بكل مهما البيت وحدها،سيساعدها ولن يتشاجر معها أبدًا بشأن معاملتها مع أولادها.لن يتهمها بالتقصير بعد الأن هي سيدة عظيمة.هو لم يمنعها من أهل الحارة إلا لسوء طباعهم.إلا لنفوسهم السيئة التي كانت تبكيها كل ليلة! تلك التي لها قلب من فضة.
هو ليس سئ،بلى هو سئ ولكن أحد لم يتحمل ذلك السوء عداها،كل الفرص تأتي في خانات الخسارة.طبعها الخفيف تحمل جفاه،ولكن يبدو أنه لم يتحمله طويل.”الزوجة الأصيلة لا تترك زوجها مهما حصل..لا يجب أن تفعلي هذا، إن عودتي.. إن عودتي لن ألومك علي فعلك هذا دون إذني فقط سأحتضنك قليلًا،حضنك الذي جفاني إلي الأبد،هذا الذي أفتقدته منذ عشرين عامًا. أسف!” المكان يزداد ضيقًا..قلبه يرتعش وينتفض مع كل أية تقٌرأ..
” أخبرك سرأ ؟كنت أحبك طيلة الوقت..ربما سئ ولكنني أحبك..ربما سئ ولكنني مصاب بكِ أكثر من المقاهي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock