قصص قصيرة

الخزان

قصة قصيرة بقلم\ فريد عبد العظيم

الخزان

قصة قصيرة بقلم\ فريد عبد العظيم

كسلحفاة أمشي، أجرجر أقدامى التي تحاول عصياني، لأصل في الميعاد.

ملل ورتابة ، فراغ وأحاديث تكررت حتى أصبحت بلا معني، سور وبوابه، سلم وخزان عال، حجره بالطوب ومكتب وسريرين، بضعه دفاتر متناثرة غطاها التراب من قله استعمالها، أنا وأبو صالح والصمت ثالثنا.

سنوات ثلاث علي هذا الوضع، حديث يعقبه حديث حتى انتهت الحكايات، صمت طويل يقطعه سعال مفتعل، أو سؤال بلا معني فقط لنحرك ألسنتنا، حتى لا تعطب ونصاب بالخرس.

قررت أن أتمرد، منذ أسبوع وبلا مقدمات تغيرت، ردودي علي أبو صالح أصبحت مقتضبة، بالأحرى ماسخه، يتحدث فأصطنع الانشغال،يأتي اذهب، يجلس انهض، يمشي بجانبي أهرول، يلاحقني بالحديث فأضع السماعات في أذني، أتظاهر بالغناء، يرفع صوته وهو يلهث، ينادي، اجري واصعد سلم الخزان، اجلس في الأعلى، فييأس أبو صالح ويعود إلي المكتب.

رمال علي مرمي البصر، مدق وحيد يربطنا بالعمران، أراه من اعلي كثعبان يتلوي، بيوت في حجم علب الكبريت تلوح من بعيد، نقاط صغيره تتحرك في جماعات كأسراب النمل، بشر مثل أبو صالح لا يطيقون الوحدة، ولا يمشون إلا متجمعين.

رجل عجيب، رغم طول السنون لم يتعود علي المكان.

حضر أبو صالح إلي هنا قبلي بعامين، يقول بان كثره إلحاحه هي السبب في توظيفي، قال لهم العمل كثير ومن الصعب أن أقوم به وحدي، فعينوني ليريحوه، بالطبع يكذب، لم يلح أو يطلب، متأكد بأنه لم يكلم احد أحدا، أبو صالح في الأساس يخاف أن يكلم نفسه حتى، يمشي داخل الحيط لا بجانبه، اعرف جبنه وخوفه الغير مبرر، كلما أتي أي موظف مهما كانت درجته يرتجف، يغمره العرق ويتهته في الكلام، ولا يهدأ إلا بعد أن ينصرف الضيف، في احدي المرات زهقت من حديثه المكرر، قلت له بتهكم، عينوني مثل ما عينوك، الحكومة تعتبرها أعانه بطالة مقنعه، قاعدين في الصحرا ولا شغله ولا مشغله، دفترين التراب كلهم من كتر الركنه، منسوب خزان ايه ونيله ايه ولا حد بيسأل، مرتب تعبان والاسم موظف.

رد ضاحكا، الحكومة بتزكي علي مالها، لحسن تتحسد، قالها وظل يضحك، وددت بكلامي أن أغضبه فقهقه حتى سعل.

أنا وأبو صالح وغرفه واحده فلا مفر، زميلي الوحيد لا يصمت، مهما أظهرت له عدم اهتمامي لا يغلق فمه، مش هنفرح بيك بقه، كبرت، طلعلك شعره بيضا، متخبيهاش انا شوفتها خلاص، الحق سنين العمر بتجري، جيبلك عيل يشيلك لما تعجز.

اخرج من المكتب، امشي، أهرول، اجري، اهرب، اصعد إلي الخزان، تأكلني الشمس، يلسعني البرد، اتعب، ينهك جسدي من كثره صعود السلم وهبوطه، احتر، ابرد، استسلم، أعود، فيبدأ أبو صالح من جديد.

أول ما وصلت إلي هنا لم أكن أتبرم، يحكي عن الدنيا فأهتم، يخبرني عن حال الناس فأعتبر، يصف جمال ابنه صالح وذكاءه فأقول ما شاء الله، التكرار ينهي الدهشة ويصيب الحماس بالفتور، لم اعد اهتم، أيامنا هنا سجن، توصلنا العربة فنودع الحياة، لا بشر ولا صخب ولا ضجيج، سكون لا يقطعه إلا لسان أبو صالح، الذي يقذف الكلمات بلا توقف، حوش، شيل قرش للزمن، الدنيا بنت كلب متأمنلهاش، لولا الفلوس مكنتش هعرف أعالج الواد.

أتصنع الاهتمام كلما دار الحديث عن صالح المريض، أقول شده وتزول، صالح هيرجع زي الأول وأحسن، اصمت فاسمع صوت بكائه المكتوب، انظر إليه فأري دموعه تسيل، أتحدث مضطرا، ألقي بنكته فيضحك.

الولد الصغير مريض منذ أن وصلت إلي هنا، في يومي الأول حكي أبو صالح ، تأثرت، احمرت عيناي وانفلتت دمعتي، التكرار يمحو التأثر، يجعل القلب كالحجر، تتحول القصة من محرك للدموع إلي داعي للتبرم، يحكي فلا اسمع، يطاردني بحديثه فاهرب، اجلس بجانب الخزان، أتخيل الصحراء وقد عمرت، أري المساكن والمحال وقد اقتربت، اسمع أصوات الكلاكسات وضجيج البشر، اهبط وأعود فأجده نام بعد أن يأس من حضوري.

وصلت فلم أجده كالعادة في انتظاري، انتصف النهار ولم يصل بعد، افتح الدفاتر وأغلقها، اصعد إلي الخزان، أدور حول السور، تغيب الشمس، امشي، أهرول، اجري، أعود فلا أجده، أحاول النوم فافشل، أتذكر حكايات أبو صالح، اسلي نفسي بها، فالساعات عصيه المرور، اضحك لنكاته المملة، ابكي لحال صالح الصغير، أعاتب نفسي، القي عليها وابل من السباب، أقذر الشتائم أوجهها، اعترف بخطئي، الاستهزاء لعنه والتجاهل طعنه خنجر، الهروب ليس من شيم الرجال، أبو صالح لم يخطي، فقط يحكي ليمرر الوقت، نصائحه كانت بدافع المحبة لا اصطناع الحكمة، الرجل قلبه يئن علي ابنه المريض وأنا حتى لا أواسيه.

المكان بدون أبو صالح مقبض، الوحدة لا تطاق، السكون مريع، السور كئيب، الخزان يزيد العتمة، المدق ثعبان، ما أراه علي مرمي البصر سرابا.

سأعتذر، سأقبل رأسه أول ما يصل، سأشتري هديه لصالح الصغير، سأذهب معه في الأجازة القادمة لازور صالح في المستشفي، مهما قال لا سأصر، لو رفض سأفاجئه واذهب وحدي، معي عنوان المستشفي.

لو طال غيابه سأذهب إلي بيته، آه لو معي رقم تليفونه، كيف لم اطلبه منه قبلا، أول ما يفتح الباب سأعانقه، لن ادخل مهما ألح، سأصطحبه إلي الشارع ونطير إلي المستشفي، بالتأكيد سيفرح صالح بالهدية، آه سأحضر له بدله ضابط ومسدس، أول ما تبزغ الشمس سأتحرك، اه العنوان مدون بالدفتر المغطي بالتراب، أول ما يستيقظ سيجدني أمامه، اه يا صديقي أين أنت؟، كنت تؤنسني في الظلمة التي لا ترضي بان تنتهي.

قبل أن اذهب حضر، جلس علي المكتب، تحدثت ففتح الدفتر وتصنع الانشغال، جلست بجانبه فنهض، مشيت ورائه فهرول، سألته لماذا لم تحضر أمس فلم يجب، هرولت ورائه فجري حتى الخزان، صعد درجات السلم علي غير عادته، سألته وأنا الهث، كيف صالح؟، أكمل الصعود، وتحدث دون أن يلتفت، صالح مــات.

قالها وجلس بجانب الخزان.

فريد عبد العظيم

كاتب وروائى مصرى

      

الوسوم

اترك رد

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock