ورقة مقال

عجز الثِقة – الفوبيا الوجودية

بقلم: عماد رشاد عثمان

عجز الثِقة / الفوبيا الوجودية
يروي عن الفاروق الملهم عمر بن الخطاب أنه
قال (اللهم إني أعوذ بك من جَلَدِ الفاجر وعجز الثقة)
كصفعة واقعية علي وجوهنا جميعا .. كحقيقة جلية ..
لم يقل عمر مستعيذا من تَجَلُدْ الفاجر .. ولا من أن يعجز الثقة .. بل من جَلَدِ الأول وعجز الثاني .. وكأنهما صفتين أصيلتين فيهما !
لا مجرد حال استثنائية ترد عليهما ..
فإن الحقيقة والواقع يصارحنا بأن الأنقياء يتخفون .. ويجبنون .. ويترددون ويقدمون الاعتزال علي الظهور .. والانكفاء الذاتي علي المخالطة والإلهام ..
ويصارحنا بقاعدة موازية .. وهي أن الزائفين والأدعياء والحمقى والمؤذيين بل والأشرار .. يخرجون للنور .. يعبرون عن ذواتهم .. ويحتكون بالخلق .. يضعون آثارهم .. وينشرون عدواهم !
إن معشر الثقات الأنقياء .. أهل الحق والحقيقة .. يحملون هذه الطبيعة الغريبة اللامنطقية كجزء من تكوينهم .. تحمل منطلقات عقلانية مختلفة .. ولكنها تشترك في ظاهرة وحيدة ..
أنهم يهمشون أنفسهم من زاوية ما !!
يتركون وسط الصفحة .. وينسحبون من الجمع والصراع ..
وكأن شعورهم بالامتلاء .. يكفيهم ..
وكأن معرفتهم للحقائق .. تجعلهم يربأون بأنفسهم أن يختلطوا بالزيف والسطحية .. أو يعرضوا أنفسهم للآثار الجانبية للصراعات !!
تختلف تعليلاتهم .. ولكنهم يتفقون تقريبا بأنهم يتركون الحائرين لحيرتهم .. والمتصارعين لصراعهم ..
وينشغلون بصراعاتهم هم الجوانية ..
ينشغلون بعوالمهم النفسية .. وكعبلاتهم ..
فيصيبهم نوع من الشلل الصامت ..
نوع من العجز !
لماذا ؟!
تختلف الأسباب .. والظاهرة واحدة ..
تتنوع المنطلقات .. والنتيجة مشتركة !
عجز الثقة .. وجلد الفاجر ..
فالفاجر لا يمر بهذه الصراعات الداخلية للغرابة !
الفاجر لا يحمل هذه النفس اللوامة التي توحش ضميرها وجاوز حده حتي صار يجلده صباح مساء تجاه كل فعلة وقبل كل حركة !!
ولكن الثقة يحمل هذا الضمير الصارخ ..
تخلي الثقة عن الأصنام الزائفة ..
ولكنه قد صنع بقلبه معبدا لصنم المثالية الوحشي ..
صنم (ما ينبغي أن يكون ) ..
تصوره لما ينبغي أن يفعل .. ولشكل الإتقان المطلوب داخليا وخارجيا .. علي مستوي النية والدوافع والسلوك .. هذا التصور لنموذج الفعل المطلوب .. أقعده عن الفعل نفسه !!
فتجده إن أراد الحديث .. تخيل كيف ينبغي ان يكون عليه حديثه .. وان أراد الكتابة تخيل النموذج المثالي للكتابة والأسلوب والمعني .. ثم قارن بينه وبين ما لديه وما يمكنه تقديمه بفعل بشريته القاصرة ..
فيشاهد هذه الفجوة بين تصوره المثالي .. وبين إمكانه المتحقق الواقعي .. فيجدها واسعة ..
فيجد نفسه بين طريقين ..
اما طريق الإحباط .. واليأس من الذات .. وازدراء النفس .. وتشوه الصورة الذاتية ..
أو طريق الانتظار .. والتسويف والتأجيل .. فيؤجل كل شيء حتي الوقت الموهوم .. وقتما يستقر .. او يتميز . أو يتعلم .. او يتزن .. أو يتفرغ !
هذا الوقت الذي لا يأتي أبدا !!
وكلا الطريقين .. طريق الإحباط .. وطريق التسويف .. ينبنيان علي هذا الصنم اللاواعي من المثالية المتوهمة .. ويؤديان لنتيجة واحدة :
عجز الثقة !!
وسيناريو ثان يتمثل في ما أسميه (الإخلاص المقعد) !
وهي أن يتهم الثقة الممتليء بالحقيقة نيته .. فيري نفسه مرائيا .. معجبا بذاته .. مصابا بالكبر أو نسبة النعمة للذات ..
أو يلمح من نفسه مسحة استعلاء بالامتلاء ..
فيقرر أن نيته مدخولة .. وقلبه مدنس .. وأن التطهير أولي .. والتنقية أهم .. وتصفية النية وتقويم الإخلاص هو السبيل لئلا يكون عمله وبالا عليه ..
فيترك العمل .. !
شكوكه في نيته .. أثرت لامحالة علي فعله وسلوكه ..
فترك الجندي ميدانه .. وانسحب الفارس من السباق .. وتركه لأولئك الذين لا يقيمون اعتبارا لدوافعهم .. فيفسدون بأريحية !!
فلا يكون في الميدان صوت سوي أصداء المشوهين والأشرار والمفسدين الذين لا يكترثون بدوافعهم ولا يضيعون طاقاتهم النفسية في التساؤل عن مقاصدهم ..
فلا يكون للحقيقة صوت مقابل .. ولا يستمع الحياري إلي لصوت الزيف ..
ولا يجد من يبحثون عن الهدي والإرشاد والإلهام أية خريطة فيتخبطون .. ويسيرون علي ذات سبيل الإحباط أو التسويف ..
أو ربما يتوهون .. وينتمون لأحد صفوف الزيف لخفاء البديل !
يتلمس الحائرون بصيص نور لطريق الحقيقة فيجدون الثقات قد تخفوا واستتروا لئلا يعرفهم الناس فيفسد إخلاصهم ويتلوث تجردهم !!
وذاك نوع آخر من (عجز الثقة ) !!
وسيناريو ثالث ..
إن الأنقياء .. جبناء !
نعم ..
هم بشر ..
يخافون الصراع .. والجراح .. والاصابات ..
يبحثون عن منطقة الراحة ..
والخروج للنور يعني التعرض للنقد حينا والتسخيف والتسفيه حينا .. والمناهضة والمجادلة حينا .. وربما الإيذاء والابتلاء أحيانا !
فيعمدون إلي مساحاتهم المستورة من الظل .. يختبئون ..
يختبيء أحدهم من النقد .. وآخر من البلاء .. وآخر من استثقال طول الطريق ..
وآخر يختبيء من نفسه !
يختبيء من جماله الذاتي .. يرعبه نور بهاءه هو !
يري نفسه بحرا فائضا لو لم يلجمه لامتد بريقه حتي صار يصعب عليه احتواءه !
نعم يا سادة ..
إن بعض الأنقياء .. يخشي إمكاناته لو تم تفعيلها .. وطاقاته لو أطلق لها العنان !
يخشي المجهولية التي تتغلف بها تحقيقه لإمكاناته .. فالطريق مظلم ومخيف ..
لذا يعمد إلي طريق اجتماعي معروف فيسلكه .. ويعمد إلي قناع اختاره القطيع فيضفي عليه تعديلات ورتوش تميزه ثم يرتديه ..
فإن أقصي ما يمكن أن يحدث معروف ومحدود .. ويملك من الأدوات ما يمكنه تناوله ..
الطرق المعتادة مضمونة آمنة .. مأهولة ..
أما طريق تحقيق الذات وتجلي الجمال الجواني وتفعيل الإمكانات .. فهو طريق مملوء بالمغامرة والمقامرة والاحتمالات ..
مظلم مجهول ..
مخيف !!
لذا يكتم بعضهم جماله ويكبت إمكاناته ويطرق طريق القطيع ..
لأنه يخاف نفسه ..
ونتيجة وحيدة تتحقق هنا أيضا :
عجز الثقة !!
وسيناريو آخر ..
يكون فيه الثقة ممتلئا بشدة .. متعدد الإمكانات .. محتشد بالمواهب ..
(سبع صنايع ) …. والبخت ضايع .. طوعا !
فإمكاناته تحيره ..
والطرق كلها تبدو أمامه شهية وممكنة .. !
وكل سبيل يري ميزاته وعيوبه ..
وربما يملك من القدرة علي رؤية التفصيلات الصغيرة ما يجعله يغرق في الموازنات والمقارنات .. فلا تترجح لديه كفة ..
أي أنه لأن كل طريق ممكن في عينه .. وسلوكه لأي طريق يعني إعدامه لغيره من الطرق ..
فهو يقف علي منعطف الطرق .. متحيرا مشلولا ..
ربما يسلك خطوات في سبيل منهم .. ثم يتذكر طريق آخر .. او يجد زقاقا جانبيا لتفعيل إمكان آخر فيه فيسلكه .. ويمضي به بعض الوقت ..
ثم يتذكر طريق ثالث .. فيترك طريقه ليعود إليه ..
وهكذا .. تضيع طاقته في التشتت .. ويهدر جهوده في التمزق بينه وبينه ..
يحيا الاحتمالات ولا شيء يتحقق ..
ينغمس في الأحلام .. ولا خطوات معتبرة.
نعم.. هو ذاك الشخص المميز جدا .. الذي يعترف الجميع بتميزه ومواهبه ..
ولكنهم جميعا يسبقونه ..
وهو ذلك الغارق في عالم الموازنات والاحتمالات ..
الذي سقط في ثقب أسود يلتهم كل طاقته من الحيرة الجوانية .. والتفلسف الذاتي .. والتمعن في استنقاذ (القطط الفطسانة) في كل شيء !
يغذي تردده وحيرته بنفسه عبر رؤيته وتصوراته المتعمقة .. التي فقد لجامها فتطرفت حد الوهم !
يا الله .. لو كان مصابا ببعض التقلب المزاجي ..
فيمكنك حينها تخيل مأساته ..
نعم .. هو هذا الإنسان الذي ربما في عوالم موازية سلك في كل عالم منها طريق واحد فقط .. لفاق الجميع .. وهكذا ربما هو يعلم !
لكنه هنا في هذا العالم الواقعي المتحقق ..
تناسلت داخله الرؤي والأحلام والتخيلات .. وتبعثرت طاقته بين الإمكانات والاحتمالات والموازنات ..
ونتيجة وحيدة تنبت في الأفق :
عجز الثقة !!
كم من جميل يعلوه تراب الركن المهجور ..
وكم من لامع يطفئه صدأ النسيان ..
وكم من موهوب يضمر بعدم الاستخدام ..
وكم من ثقة عاجز ..
وكم من فاجر متجلد .. وثاب مقدام .. ممتليء بالهمة ..
وكم من أحمق لا يتوقف ضجيجه ..
وكم من ممتليء منكفيء علي نفسه .. يكتم علما ويدخر نوره ..
يستعيذ الفاروق من تلك الحقيقة ..
جلد الفاجر وعجز الثقة ..
والتي إن أعاذ الله منها الكون .. لأعتدل واتزن ..
ولربما صار مكانا أفضل للعيش !!
#مقال_إثراء_لغوي

الوسوم

جبروت زهرة

قلمٌ تَمثَل بزهرةٍ، تنشر عبقها بصورة حرف، مكنونها جبروت...فـ برأيك أنت، ما نَفعُ جبروتٍ صدر من زهرة؟!

اترك رد

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock