ورقة مقال

ماركو ملاك – نظارة جدتى

الكاتب ؛ ماركو ملاك

كُتاب موقع ورقة

(يوم نموت سيمحو النسيم الرقيق آثار أقدامنا على الرمال ..بعدما يفنى النسيم ،ترى من يخبر الأبدية أننا مشينا ها هنا مرة فى فجر الزمان )

أغنية حقيقة لقبائل البوشمن

(مية مية كات هتفرق فى الوداع )

منذ أن سمعت خبر وفاة جدتى وأنا أرى هذه الكلمات أمام عينيا
ولكن أين هو هذا الوداع ..لقد استغلت جدتى غيابى ورحلت دون أن تودعنى ..طلبتنى ولكن لم تجدنى بجوارها .
كنت أسمع عن المثل القديم القائل (الناس بتحكى عن كأس الوداع وطعمه المر ولما جيت أدوقه لقيت الكاس فضى) ..فبدلا من الوداع أذوق طعم الفراق من غير وداع

(مية مية كات هتفرق فى الوداع )

آخر إجازة
قالت لى جدتى (اديك خلصت الجيش يلا بقى عاوزة أجوزك وافرح بيك )
قبلت يدها التى كان بها الكانيولا لأخذ المحاليل وقلت لها ((تيتة اوعى تسبينا خدى الدوا وخليكى جدعة )
(ماقدرش أوعدك بحاجة مش بإيدى لو ميعادى جه ..لازم امشى )
أدركت وقتها بأن (الموت لايوجع الموتى ..الموت يوجع الأحياء)

(مية مية كات هتفرق فى الوداع )

كانت مكالمة واحدة من جدتى ودعوتها لى ..تمنع عنى الكثير من المصائب ..كانت كفيلة بدخول أقوى الحروب ومصارعة أدهى الوحوش بدون اى قلق فأنا أعلم بدعوة جدتى ومدى استجابتها لدى الله عز وجل .

٥٠٠كم تلك المسافة التي قطعتها من القاهرة إلى سوهاج ..تلك المسافة التى استرجعت خلالها ذكريات لى مع جدتى طيلة حياتى ال٢٥عاما ..أرفع عينيا لأرى الجبل الشرقى مصاحب لى طوال الطريق ..ترى ما الذى يستطيع أن يحرك هذا الجبل من مكانه هل الهواء ام المطر لكن دون جدوى أي شئ بغير فائدة ..

إنه وحده الtnt قادر أن يفجره الى حبة رمال فى ثوانى ..هذا هو الحزن الذى بداخلى وعلى وشك تفجيرى

(مية مية كات هتفرق فى الوداع )

أرى نفسى الٱن فى السابعة من العمر أجلس إلى جوار جدتى على (الطبلية)نتناول الفطور سويا الذى أعدته بقلبها وليس بيديها
آرانى فى مشهد آخر بعد أكثر من خمسة عشر عاما وأنا الذى أعد لها الشاي والفطور ولكنها لاتستطيع الأكل كالسابق نظرا لحالتها الصحية ..

لأكثر من ثلاثين عاما عاشت جدتى كقطة شرسة تأكل وتفترس من يقترب من أولادها أو يمسسهم بأى سؤ
عاشت تكافح وتصارع الجميع من أجلهم كى يعيشوا بكرامة يكملوا تعلميهم ويصبحوا ذوو شأن
العلم كان السلاح الوحيد الذى آرادت أن تسلح به أولادها وهى التى لاتعرف القراءة والكتابة
ولكنها رحلت كحمل وديع بعد أن أجدها المرض

أتذكرها تجيبنى (حاضر ..حاضر هاخد الدوا ربنا مش هيجيب حاجة وحشة ).

كان درويش _رحمه الله _يقول (أريد أن ارتدى نظارة جدتى كى أرى العالم كما كانت تراه )
لكنى أنا أريد أن ارتدى نظارة جدتى كى آراها هى ..على أمل أن تكون صورتها انطبعت على تلك العدسات طوال هذه السنين ..أقبل عكازها لعل يدها مازلت ممسكة بهذا العكاز .

ولكن مازال سؤال درويش يدور بداخلى

(لماذا تركت الحصان وحيدا؟!)
(لكى يؤنس البيت ياولدى فالبيوت تموت إذا غاب سكانها )

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك رد

إغلاق