تنزيل كتب مجانا

تزيفتان تودوروف – تأملات في الحضارة والديمقراطية والغيرية

تأملات في الحضارة والديمقراطية والغيرية

تزيفتان تودوروف هو الصوت الحريص على دحض مقولة «صدام الحضارات» وتجاوزها من خلال ضرورة فتح النقاش من جديد للبحث عن نموذج فكري يضمن تنوع الخصائص الثقافية، ضمن نزعة كونية تتيح إمكانية الانتماء الرحب، دون صدم المشاعر لأجل أن تتخلص البشرية من آفات التناحر والصدام القاتلين. لذا فإنّه يسخر مواهبه عبر جل كتبه لإقناع الغرب، مفكرين وشعوباً بالكف عن تأجيج فكرة «الخوف من البرابرة المتخلفين» والتمترس داخل نزعة مانوية مقيتة.

 

كل مجتمع هو متعدد الثقافات، لا وجود لأي مجتمع متجانس تماما. الثقافة هي مجموعة من الرموز المشتركة لجماعة اجتماعية. لا تتشكل الجماعة على أساس اللغة أو األصول العرقية المختلفة فقط، بل ألن الأفراد -أيضا- يتسمون بعادات وخصائص وسمات اجتماعيةمحددة.يهيّأ الأفراد لإطار يسمى « الإطار الثقافي » بالمعنى األنثربولوجي للمصطلح: هناك ثقافة الشباب، و ثقافة المتقاعدين، ثقافة المقاولين، و ثقافة األطباء، بل -أيضا- ثقافة المتشردين الذين يتفاهمون باإلشارة، في حين أن بعض الجماعات تجد في الغالب صعوبة في التواصل مع هذه الفئات. ما هي التعددية الثقافية؟ يكفي القول: إنها نزعة إنسانية. إنها سمة سياسية تكمن في نقد الاختالفات بين المجتمعات داخل بلد ما. تطورت سياسات التعددية الثقافية، التي كانت غائبة في معظم دول أوروبا، في بيطانيا والواليات المتحدة األميركية.

هكذا أجاب تزيفتان تودوروف، الفيلسوف الفرنسي-البلغاري، حول سؤال لجريدة لوفيغارو أجري أوائل سنة 2012 يخص تصوره للتعددية الثقافية.

 

كتاب تأملات في الحضارة والديمقراطية والغيرية

شير المترجم المغربي محمد الجرطي في مقدمة هذا الكتاب، والذي يضمّ حوارات ومقالات وقراءات نُشِرت في الصحف والمجلات الفرنسية، إلى أنه في ظل عالم محتقن ومتوتِّر تؤجِّج فيه مقولة «صدام الحضارات» الصراع، انبرى الفيلسوف والمفكِّر الفرنسي/ البلغاري تزيفتان تودوروف لتفكيك الخطاب الذي يجنح إلى التبسيط والاختزال، فيشير بأصابع الاتِّهام إلى الآخر الأجنبي على أنه مصدر الخطر، خصوصاً إذا كان هذا الآخر مسلماً. إن كتاب تزيفتان تودوروف الموسوم بــ«الخوف من البرابرة : ما وراء صدام الحضارات» دفاع إنساني لبناء جسور الحوار بين الحضارات، ونسف لأطروحة الصدام التي رَوَّج لها صامويل هنتنغتون بهدف إشعال فتيل الحرب بين الغرب والشرق.

 

يدعو تودوروف إلى التحلّي بالتسامح مع الآخر ومع الأقليات التي تعيش داخل الغرب، من خلال الدعوة إلى التعايش مع الثقافات المختلفة لإرساء أسس التعايش والحوار مع الآخر، ويهاجم، بعين حصيفة ورؤية ثاقبة، الشعبوية اليمينية المتطرِّفة التي استقوت، وتوطّدت بسبب خطابها المعادي للآخر، حيث تنسب علل المجتمع الغربي إلى الأجنبي المسلم، فهو يحثّ الغرب على التصدّي للشعبوية التي تغري الكتلة الجماهيرية وتجاملها بممارسة العنصرية ضدّ الأجانب عن طريق العزف على أوتار القيم الديمقراطية والمثل العليا لعصر الأنوار، ويحذِر الغرب، بل العالم أجمع، من خطاب الكونية الزائفة حيث يسعى الغرب بشكل جنوني وبطرق غير مشروعة إلى إسقاط منظوره الحضاري على الشرق على اعتبار أن حضارته هي الأرقى والأرفع منزلة، فيقصي الطرف الآخر، ويقضي على خصوصيته.

ولتحقيق هذا المبتغى، يلجأ الغرب إلى القوة العسكرية التي يُلطّفها بعبارة بلاغية توروية : «التدخُّل الإنساني» لنشر النور والحضارة والديمقراطية وحقوق الإنسان، وهذا ما فعله الغرب في العراق وأفغانستان. لكن، كما يلاحظ تودوروف، فإن هذا التدخُّل كان مخِيّباً للآمال بسبب ما ارتكبه الجيش الأمريكي من حروب قاتلة ومدمِّرة، ويدعو صاحب «الأدب في خطر» الغرب إلى التسلُّح بالقوّة الناعمة التي تؤمن بجدوى الحوار واحترام خصوصية الآخر.

وبحسّ نقدي رفيع ونزعة إنسانية صادقة يهاجم الأصوات المتطرِّفة في الغرب التي تعادي الآخر بطريقة تنمّ عن الغطرسة والصلف. تقوِّض كتب تودوروف الآراء العنصرية للكاتبة الإيطالية أوريانا فالاتشي التي ترى أن «الإقدام على الحديث عن ثقافتين أمر مزعج، أما وأن نتحدث عن المساواة بينهما فذلك أمر يثير غضبي «، كما ينسف تودوروف الرؤية المتعالية للكاتب إيلي برنافي في كتابه «الأديان القاتلة»، الذي يرى أن هناك الحضارة من جهة، والبربرية من جهة أخرى، وبينهما لا مجال للحديث عن الحوار».

ويستعين تودوروف بآراء أنثروبولوجيين يتَّسمون بنزعة إنسانية، كالفرنسي كلود ليفي ستروس الذي يرى «أن الحضارة تراث إنساني مشترك»، وهذا ما يتردَّد صداه في كتب تودوروف التي تدعو إلى الحوار، وتحمل الحكمة والنصيحة للغرب كي يكفّ عن احتقار الآخر، ولرجال السياسة كي يعملوا على وقف التدخُّل العسكري المدمِّر الذي يذكي جذوة الصراع، ويشعل نار الكراهية، فالخير عنده لا يُفرض بالقوة، بل بالحوار والاقتراح.

ولا غرو أن يعتبر تودوروف اليوم – حسب مترجم الكتاب ومعده- من أبرز المفكِّرين المعاصرين الذين قاموا بإثراء الفكر الإنساني، حيث تُرجمت أعماله إلى لغات متعدِّدة؛ وذلك لما تحمله من رؤية مرجعية فكرية لا غنى عنها في تحليل القضايا الراهنة. إنه الكاتب الكوني، والمفكِّر العالمي، وواحد من نخبة المثقَّفين الذين بصموا التاريخ بمواقف جريئة من أجل بناء جسور الحوار بين الثقافات المختلفة عن طريق نقد مكامن الانحراف في الفكر الغربي، لكشف تشوُّهاته وتحيُّزاته المغرضة التي تتعارض مع الجوهر الإنساني المؤمن بالحوار والتعايش مع الآخر، بغضّ النظر عن اللغة والدين والعرق.

تودوروف والحرب ضدّ الإرهاب

يعتبر تودوروف أن الحرب ضدّ الإرهاب برَّرت العديد من الجرائم التي ارتُكِبت بضمير مرتاح، خصوصاً الشرعية التي تَمَّ إضفاؤها على التعذيب من قِبَل الديمقراطيات الغربية. ويحذِّر من «الخوف من البرابرة هو شعور يوشك أن يجعلنا برابرة»، فضلاً عن هذا، هناك ضرورة أخرى تتمثَّل في الرجوع إلى تاريخ الأفكار؛ تودوروف ليس الأحسن والأفضل إلا حين يتناول القضايا الكبيرة والمفاهيم المشحونة بحمولة فكرية (البربرية، الهويّة الجماعية، الثقافة، الحضارة، القيم الأخلاقية، الإرهاب، حقوق الإنسان، حرّيّة التعبير)، حيث يزيل عنها الغشاوة واللبس لتستعيد صفاءها وأَلَقها. وينبغي على المرء، بعد قراءة «الخوف من البرابرة : ما وراء صدام الحضارات « لتودوروف، أن يغوص ثانية -بشكل عميق- في قراءة كتابه الآخر «نحن والآخرون»، الذي يُعَدّ رحلة موسوعية شاملة حول التنوُّع البشري في الفكر الفرنسي، من مونتين إلى كلود ليفي ستروس.

إن كتاب تودوروف دعوة للحوار بين الثقافات «كل ثقافة لا تتجدَّد وتتغيَّر هي ثقافة ميتة «، بتعبيره. فبناء جسور الحوار بين البشر والحقول المعرفية، احترام تعدُّد الهويّات، تلك هي الأنماط التي يدعو إليها تودوروف في كتابه «الخوف من البرابرة»، وهو يصبو، في هذه الفترات العصيبة التي تمرّ بها البشرية، إلى أن يمنح الناس قوّة جديدة كفيلة بدحر الخوف وإسقاط عوائق الحوار بين الحضارات.

يتَّسم تودوروف بمواقف إنسانية تؤمن باحترام معتقدات الآخرين. تجلّى هذا الموقف في قضية الرسوم الكاريكاتورية عن الرسول الكريم (ص) وكلمة البابا راتيسبون، حيث ثار تودوروف على ما وصفه بــ «خطف التنوير» من قِبَل «المدافعين المحافظين في الثقافة الغربية السامية» الذين ينصِّبون أنفسهم -بكثير من الادّعاء، دون أي تخوُّف من إفساد التوافق السائد – إلى جانب الحرّيّة ضدّ ظلام القوى الرجعية»، وتحذوه رغبة عارمة في أن أن يكفّ الفرنسيون والأوروبيون والغربيون عن تغذية المقولة الشهيرة «صدام الحضارات»، التي يزعمون أنهم يطعنون في صحَّتها، كما يدَّعون أنهم تحرَّروا منها، وتجاوزوها، ويسخر في كتابه «الخوف من البرابرة : ما وراء صدام الحضارات» كل موهبته الفذّة، وقناعته التي يستشعرها المرء في كل صفحة من كتابه، كما يوظِّف ثقافته الفلسفية لتطهير وطرد هذا الخوف من «البرابرة المتخِلّفين»، الذي غزا الولايات المتحدة الأمريكية، والغرب بكامله، بسبب أو بذريعة أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

هذا الخوف الذي قاد الغرب إلى التخندق في نزعة مانوية، وإلى شَنّ حرب ضدّ الرعب بناءً على مواقف وذرائع يشوبها الكثير من الالتباس والغموض، بحيث أصبح الغرب لا يرى المسلمين إلا من خلال الإسلام، كما عجز عن التمييز بين الإسلام والإسلام المتطرِّف، والإسلام المتطرِّف والإرهاب. الشيء الذي جعل الغرب لا يفكِّر إلا في استخدام القوة كَرَدّ فعل على هذه البربرية المزعومة، فامتنع بذلك عن كل تحليل أو إجراء سياسي. في الوقت نفسه، يعِبّر المحِلّل الأمريكي فريد زكريا في كتابه «عالم ما بعد أمريكا « عن دهشته في رؤية الدولة الأقوى في العالم تعيش في براثن الخوف من كل شيء، ومن الآخرين أيضاً.

 

تحميل كتاب تأملات في الحضارة والديمقراطية والغيرية Pdf : إضغط هنا

 

تحميل

الوسوم
اظهر المزيد
*

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

إغلاق